وما التلبية بتلك الجمل الصادقة العميقة إلا شهادة بالاستمرار والدأب على الطاعة ومواصلة طريق التوحيد.
وما تقبيل الحجر الأسود إلا اقتداء بسيد الأنبياء من غير اعتقاد بحجر لا يضر ولا ينفع.
عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبل الحجر الأسود ويقول: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) [1] .
وما السعي والطواف إلا برهان على الامتثال والحركة من أجل الله تعالى قيامًا بحق التعبد، وإن لم تظهر الحِكم من وراء هذه الشعيرة.
وأما الوقوف بعرفة فهو مذكر بالوقوف بين يدي الله يوم القيامة، وتفرغٌ خاشع لمناجاة الله ودعائه في ذلك المكان والزمان الذي لا يجتمع الحجيج في مكان مثله.
وأما رمي الجمرات فهو امتثال للهدي النبوي، يرمي المسلم الحاج كما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم تدرك حكمته وعلته، وحاله: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
وأما حلق رأسه فهو عبادة تحمل معها التفاؤل بإسقاط الأوزار عن النفس كما يتساقط شعر الرأس، بعد أداء المناسك.
وما هي إلا أيام قلائل وتحين ساعة الوداع المؤلمة وتنقشع تلك المواكب مرتحلة إلى أوطانها، والحزن والكمد يعتصر العيون والقلوب حسرة على فراق بيت الله العتيق.
ويبلغ الحزن المدى بطواف الوداع الذي يحمل معه في كل شوط شظايا من الحزن التي يتلظى بها القلب، وربما أهرقت العيون دمعات الأسى في الوادع ألما كما أهرقتها في طواف القدوم فرحا.
فيا أيها القاعد، وأنت مالك الاستطاعة ولم تحج ما الذي أقعدك عن فرضك؟ أفلا تتعجل قبل أن يبغتك الأجل أو تشغل عن بلوغ ذلك الأمل. فتبدلُ الأحوال من غنى إلى فقر ومن صحة إلى مرض ومن فراغ إلى شغل ومن حياة إلى موت أحوال متوقعة في هذه الدنيا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) [2] .
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد، وهو صحيح.