الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أيها المسلمون، وفي الحج أيضًا تربية عظيمة للنفس في جوانب شتى، فهو تربية لها على جعل الأعمال الصالحة خالصة لوجه الله، وهو تربية لها على البذل والسخاء في سبيل الله؛ لتذهب عنها الشح والبخل، وهو تربية لهاعلى التمسك بالأخلاق الفاضلة من صبر وحلم وسكينة ورفق.
وهو تربية لها على ترك ملذاتها وعوائدها وزمها عن مقارفتها، ففي الحج لا طيب ولا لباس مما يعتاد، ولا جماع ولا كلام يشير إليه.
قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... } [البقرة:197] .
وفي الحج تربية للنفس على تحمل المشاق ابتغاء مرضاة الله، وفي الحج تربية للنفس على اجتناب الآثام واحترام الحرمات، فلا تعدٍّ ولا مجاوزة، فيعيش الناس في أمن وسلام.
وفي الحج تربية للنفس على النظام والدقة في الأعمال، فالحياة بلا ترتيب وضبط للأمور حياة تعيسة آيلة إلى التعب والعناء.
عباد الله، ما أهيب ذلك الموكب العظيم والعرصات في الحج مزدحمة والرحاب ممتلئة بأنواع من البشر، إن ذلك المحفل الهائج المائج ليذكر المرء بالوقف العظيم بين يدي الله تعالى يوم القيامة فالزحام يذكر بالزحام وتنوع الخلق يذكر باجتماعهم جميعًا في ذلك الصعيد.
ألا يا عباد الله فاعلموا هذه الحكم من هذه الشعيرة وتيقنوا أن الله تعالى جعل لما تعبد به خلقه من العبادات غايات وحكمًا عرفنا منها ما عرفنا وجهلنا ما جهلنا.
هذا وصلوا وسلموا على خير الورى ...