وبينما الذاكرون يحييون حياة الاطمئنان، والراحة النفسية والبدنية يحيا سجناء الغفلة أسرى في التعاسة والبؤس، والأمراض والهموم. فما أنفع الذكر دواءً وشفاءً للأرواح والأبدان، ولكن رواده وقصاده قليلون.
وبينما الذاكرون يُحييون قلوبهم فالغافلون يميتونها، فتصير خرابًا ومقابر تسكن فيها الأدواء والآفات.
وفي الوقت الذي يُصلح الذاكرون فيه دنياهم، ويعمرون أخراهم إذا بالغافلين يفسدون الدنيا، ويخربون الآخرة، فلا دنيا وجدوا بها راحة حقيقية، ولا أخرى حصلوا فيها على ثمر يطمئنون عند رؤيته.
عباد الله، في ذكر الله وجد الذاكرون حصنًا منيعًا يحميهم من الشيطان ومس الجان وشرِّ عيون بني الإنسان الخبيثة، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يصبح -ثلاث مرات-: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم تفجأه فاجئة بلاء حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي لم تفجأه فاجئة بلاء حتى يصبح) [1] .
وقال بعض السلف:"إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟! فيقال: قد مسه الإنسي".
وأما الغافلون فما أكثر تلاعبَ الشيطان بهم، وتسلطه عليهم، قال تعالى: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} النحل 100.
فإلى متى يطول نوم الغفلة- يا عباد الله؟ ألم يحن وقت الاستيقاظ؟ وقد استبان النهار؟ وسار الذاكرون المجدون، وبقي الغافلون على حُمر معقرّة، أو ما زالوا على فرش غفلتهم لم ينهضوا للمسير؟!
ألم يكفِ الغافلين جراحُ غفلتهم، وسوء حالهم، وبؤس حياتهم، وانغلاق أبواب الخير عليهم؟
قال الحسن البصري:"تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق". هذا فيمن يعمل هذه الأشياء فكيف حال من لم يعملها؟
(1) رواه ابن حبان وأصحاب السنن، وهو صحيح.