وهم -وإن انغلقت أمامهم أبواب من الخير لا يجدون مفاتيحها كالمال للصدقة والإحسان- فإنهم بالذكر يدركون ذلك كله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالوا:
يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم. قال: (كيف ذاك؟) . قالوا: صلوا كما صلينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم، وليست لنا أموال. قال: (أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؟ تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا) [1] .
الذاكرون الله مجالسهم رياض من رياض الجنة، تغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة، وتحفهم الملائكة، ويباهي الله بهم في الملأ الأعلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقعد قوم يذكرون الله عز و جل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) [2] .
والذاكرون الله كثيرًا مستجابو الدعوة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيرا، و المظلوم، و الإمام المقسط) [3] .
فنسأل الله أن يجعلنا من أهل ذكره، وشكره، وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على النبي محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أيها الناس، إن الغفلة عن ذكر الله أوردت أصحابها الموارد، فبينما يبقى الذاكرون يلهجون بذكر الله تعالى يُرى صرعى الغفلة مشغولين بذكر الناس: مغتابين ونمامين، هتاكين وعيّابين، ساخرين وشامتين. فما أحسن الذكر مَشغلةً عن معصية الله وإيذاء الناس!
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البيهقي، وهو حسن.