هكذا الدنيا-عباد الله- فأيامها ثلاثة: فأمس عظةٌ وشاهدُ عدلٍ لك أو عليك، ذهب عنك وأبقى عليك حكمته، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته، طالت عليك إقامته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدك.
أيها المسلمون، إن الحياة سفر من الأسفار، فيه مراحل ومحطات، كل من قطع مرحلة وقف ونظر كم قد مضى من المراحل وكم قد بقي، كلما ذهب من عمره عام تأمل كم قد قطع من عمر الحياة المحدود، وهل بقي له فيه من نصيب؟!
كم من الناس من لا يسأل نفسه لمَ السفر؟ وبعض الناس يعرفون الوجهة ولكن سافروا بغير استعداد فكيف سيصلون؟
وما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها داعٍ إلى الموت قاصد
وأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد
قال داود الطائي رحمه الله:"إنما الليل والنهار مراحل، ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها فافعل؛ فإن انقطاع السفر عن قريب، فاقض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك".
عباد الله، إن الزمان يأكل من أعمارنا يومًا بعد يوم وليلة بعد ليلة وشهرًا بعد شهر وعامًا بعد عام، ما مضى منه مضى منا، قال الحسن رحمه الله:"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك".
أرى الأعيادَ تتركني وتمضي ... وأحسبني سأتركها وأمضي
وما كذبَ الذي قدْ قالَ قبلي ... إذا ما مرَّ يومٌ مرَّ بعضي
أرى الأيام قد ختمت كتابي ... وأحسبها ستتبعه بفض
أيها الإنسان، ينقضي العام فتظن أنك عشته، وأنت في الحقيقة قدْ مِته. ما من يوم إلا قرّبنا وبعّدنا، قربنا من الآخرة، وبعدّنا من الدنيا.
قال ابن رجب رحمه الله:"يا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه، إنما تفرح بنقص عمرك".
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل