أيها الأحبة، ها هو عامنا هذا يحتضر على وشك الموت والوداع بعد أن قضى بيننا اثني عشر شهرًا بأفراحها وأتراحها، بأرباحها وخسرانها، بزيادة الحياة بأحياء، ونقصانها بأموات.
إن رحيل العام عظة وذكرى برحيل العمر وانقضائه، كما خلقنا للأرض بعد سلف يوشك أن نكون سلفًا يعقبنا خلف، نتركها كما تركوها، وتلفظنا كما لفظتهم. ونكاد أن نعيد للأرض ما أخذنا منها، نعيد لها أجسادنا ليأكلها البلى بعد أن خلقنا من ترابها، وتضمنا بين أحضانها بعد أن كنا نمشي على ظهرها، ونهريق فيها دماءنا بعد أن شربنا من مائها، ونقرب لها أبداننا بعد أن نمت من ثمارها وأشجارها.
عباد الله، ذهب العام وصار من أخبار الماضي، لكن المؤمن العاقل لم يذهب عنه دون استغلال وحصاد من الخيرات. فقد غنم شهوره وربح أيامه ولياليه، ومضى الزمان فمضى معه ولكن بالاستفادة من لحظاته بما عمره من جلائل الأعمال وجميل الأحوال التي تنفعه يوم حاجته؛ لأنه عرف شرف زمانه فجعله شاهدًا له لا شاهدًا عليه، واتعظ بمرور الأيام فجعلها أيام مرور ولم يجعلها ظرفًا للخلود. رأى تقلبات الزمان وتغير أحوال الناس فعلم أنه لن يحصل هنا على ما يريد، فتهيأ بعُدّةٍ لحياة أخرى يحصل فيها على ما يريد.
رأى أغلب الناس سابقين إلى ما يفنى، ومبطئين في السير إلى ما يبقى، فأبطأ فيما يسابقون فيه، وسابق فيما أبطأوا فيه. رأى كثيرًا من الناس يطلبون بأفعالهم البقاء، وهم منتقلون لا محالة يعمرون خرابًا ويهدمون بنيانًا باقيًا فسعى إلى إعمار ما يدوم بنيانه.
لقد اتعظ بلحظاته، واعتبر بأوقاته فلم يركن إلى دعته من حزن، وصحته من سقم، وإقامته من ظعن، وقوته من ضعف، يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
أيها المسلمون، لقد فاز قوم أعدوا للسفر زاده فربحوا حتى وصلوا في عافية إلى وطنهم الموعود. تطلع الشمس عليهم صباحًا ثم تغيب مساء فيعتبرون أن للشروق غيابًا وللذهاب إيابًا فلا بقاء.
يهل هلال الشهر صغيرًا ثم يكبر حتى يكتمل، فإذا وصل إلى كماله بدأ بالنقصان والاضمحلال فيعلمون أن للعمر نهاية وللدنيا أفولا.