فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 773

أما المغرور أو الغافل فركن إلى حاله، ولم يتهيأ لانتقاله، فيظن أنه في عافيته لن يسقم، وفي شبابه لن يهرم، وفي غناه لن يفتقر، وفي قوته لن يضعف، وفي فرحته لن يحزن، وفي حياته لن يموت.

يقضي ليله ونهاره في خدمة الدنيا، تمر عليه الأحداث فلا يتعظ، ويمضي به الزمان فلا يعتبر، يرى المصارع والفواجع فلا ينزجر، ولا يبالي أمرّ تْ به أعوام أو أيام؛ لأنها في ميزانه سواء.

يموت عليه قريب أو حبيب، أو صديق أو بعيد ويخلفون ما وراءهم لا يأخذون منه شيئًا، فلا يتذكر أنه سيصير إلى ما صاروا إليه، وأن هذه الدنيا التي يعيش فيها سريعة التقضي قريبة الانصرام.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار الراوي بالسبابة - في اليم فلينظر بم يرجع؟) [1] .

كم للمؤملين فيها من آمال، وللمتمنين فيها من أمانٍ ذهبت بحلول الآجال وانقطاع الأعمال.

نؤمل آمالا ونرجو نتاجها ... وعلَّ الردى مما نرجّيه أقرب

ونبني القصور المشمخرات في الهوا ... وفي علمنا أنا نموت وتخرب

عباد الله، ها نحن على وشك توديع عام من أعمارنا يذهب عنا ولن يعود إلينا إلا يوم القيامة بما أودعنا فيه من الأعمال.

تفكر-يا عبد الله وأنت تودع مرحلة من فرصة حياتك- أنه مسجل فيها أعمالك صغيرها وكبيرها صالحها وطالحها، وأنك ستلاقيها في كتابك وستحاسب عليها بين يدي ربك.

قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق 18] .

وقال: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف 49] .

أيها المسلمون، إن المؤمن العاقل دائم المحاسبة لنفسه: ماذا فعلت، وكيف فعلت، ولمن فعلت، ولمَ فعلت؟ ويحاسب نفسه كل حين، وقد تمر به محطات زمنية لها

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت