خصوصيتها، كهذه المحطة في نهاية العام فيقف على رأس الحول فينظر ما صدر منه- وهو في زمن الاستطاعة والقدرة- فإن كان العمل محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل، واستغفر واستعفى؛ فصلاح المستقبل بدوام المحاسبة، وإتقان الأعمال بكثرة المراقبة.
اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، فمن حاسب نفسه اليوم خف عليه الحساب غدًا، وسهل عليه العمل، ومن قصر في محاسبة نفسه اليوم ثقل عليه الحساب غدا، وعسر عليه فعل الطاعات في حياته.
قال الحسن البصري رحمه الله:"أيسر الناس حسابًا يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم لله عز و جل في الدنيا، فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الذي هموا به لله مضوا فيه، وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور فأخذوها من غير محاسبة فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر فقالوا: {يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} ".
من حاسب نفسه عرف حق الله عليه وعظيم فضله، فقارن ذلك بتقصيره في جنب الله فأتقن العمل وتجنب الخطل.
من حاسب نفسه قل زلله، وكثر صوابه، فأثمر ذلك صلاح عمله قبل حلول أجله.
من حاسب نفسه لم يغتر بسلامته وشبابه، وغناه وحسن أحواله، بل استعجل العمل الصالح ولم يستأجل، ورمى بالتسويف جانبًا.
ها أنت يا عبد الله تدعى إلى المحاسبة اليوم فماذا أنت صانع؟ ألا تعتبر بما مضى من عمرك لتصلح ما بقي من دهرك، أما مرت بك الجنائز وذهب بعض من شاركوك في استقبال العام الذي نودعه، فهل ستبقى إلى مثل اليوم من العام القابل؟ إذا قيل لك: إنك ستموت غدًا فهل ستنشغل بالدنيا جامعًا مانعًا أو ستقبل على الآخرة؟ ها أنت اليوم في زمن المهلة فهلاّ استعديت؟ فربما بغتك الأجل في ساعتك أو يومك أو شهرك أو عامك. حاسب نفسك على ما فرطت وأسرفت، وتعديت واعتديت، واليوم:
انْدُبْ زَمانًا سلَفا ... سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفا
ولمْ تزَلْ مُعتكِفا ... على القبيحِ الشّنِعِ
كمْ ليلَةٍ أودَعْتَها ... مآثِمًا أبْدَعْتَها
لشَهوَةٍ أطَعْتَها ... في مرْقَدٍ ومَضْجَعِ
وكمْ خُطًى حثَثْتَها ... في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَها
وتوْبَةٍ نكَثْتَها ... لمَلْعَبٍ ومرْتَعِ
وكمْ تجرّأتَ على ... ربّ السّمَواتِ العُلى
ولمْ تُراقِبْهُ ولا ... صدَقْتَ في ما تدّعي
فالْبَسْ شِعارَ النّدمِ ... واسكُبْ شآبيبَ الدّمِ
قبلَ زَوالِ القدَمِ ... وقبلَ سوء المصْرَعِ
واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ ... ولُذْ مَلاذَ المُقترِفْ
واعْصِ هَواكَ وانحَرِفْ ... عنْهُ انحِرافَ المُقلِعِ