إلامَ تسْهو وتَني ... ومُعظَمُ العُمرِ فَني
في ما يضُرّ المُقْتَني ... ولسْتَ بالمُرْتَدِعِ
أمَا ترَى الشّيبَ وخَطْ ... وخَطّ في الرّأسِ خِطَطْ
ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّمَطْ ... بفَودِهِ فقدْ نُعي
ويْحَكِ يا نفسِ احْرِصي ... على ارْتِيادِ المَخلَصِ
وطاوِعي وأخْلِصي ... واسْتَمِعي النُّصْحَ وعي
واعتَبِرِي بمَنْ مضى ... من القُرونِ وانْقَضى
واخْشَيْ مُفاجاةَ القَضا ... وحاذِري أنْ تُخْدَعي
وانتَهِجي سُبْلَ الهُدى ... وادّكِري وشْكَ الرّدى
وأنّ مثْواكِ غدا ... في قعْرِ لحْدٍ بلْقَعِ
آهًا لهُ بيْتِ البِلَى ... والمنزِلِ القفْرِ الخَلا
فَيا مَفازَ المتّقي ... ورِبْحَ عبْدٍ قد وُقِي
سوءَ الحِسابِ الموبِقِ ... وهوْلَ يومِ الفزَعِ
ويا خَسارَ مَنْ بغَى ... ومنْ تعدّى وطَغى
وشَبّ نيرانَ الوَغى ... لمَطْعَمٍ أو مطْمَعِ
يا مَنْ عليْهِ المتّكَلْ ... قدْ زادَ ما بي منْ وجَلْ
لِما اجتَرَحْتُ من زلَلْ ... في عُمْري المُضَيَّعِ
فاغْفِرْ لعَبْدٍ مُجتَرِمْ ... وارْحَمْ بُكاهُ المُنسجِمْ
فأنتَ أوْلى منْ رَحِمْ ... وخيْرُ مَدْعُوٍّ دُعِي
عباد الله، ها هي شمس عام جديد عما قريب ستشرق مؤذنة بمرحلة جديدة من مراحل العمر القصير، ولا ندري ماذا تخفي طياتها من أفراح أو أتراح، وماذا سنعمل فيها من الأعمال.
فالربح كل الربح في استقباله بعزم صادق على فعل الخير، والمسابقة إليه، وارتياد معاهده، والارتشاف والعب من موارده، والحذر الشديد من تضييع لحظاته، بما يجني على النفس الندامة والإثم، بسلوك سبل العصيان، والتيه في تضييع الزمان، وفرصة العمر المحدودة.
العام الآتي سيكون لك صفحة بيضاء فارقم فيها ما تحب أن تراه في قبرك ويوم حشرك.
أيها المسلمون، مهدوا لأنفسكم فرش السلامة بلزوم طريق الاستقامة، قبل حصول الحسرة والندامة. لا تركنوا إلى عمر مديد، وعيش رغيد، ووقت مهيئ؛ فالأعمار مجهولة والآجال مقدرة، والأوقات والأحوال متقلبة؛ فكم من جنين لم يولد، ووليد لم يبلغ، وشاب لم يكتهل، وكهل لم يشخ، وشيخ لم يهرم، وهرم لم يمتد هرمه.
فرحم الله عبدًا أصلح ما مضى، وجدّ فيما بقي، وتزود من دار الغرور بما ينجيه يوم البعث والنشور، وجمع من الدنيا ما خف عليه حمله وسهل حسابه، فيا سعادة المخفّين، ويا فوز العاملين.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.