فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 773

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا حمدًا، والشكر له شكرًا شكرًا، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، يقول ربنا تبارك وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ ... } [التوبة 36] .

لما ابتدأ الله خلق السماوات والأرض جعل السنة اثني عشر شهرًا هلالية جعلت مواقيت للناس يقضون فيها حوائجهم، وتبنى عليها أحكام من شرائع دينهم، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ... } [البقرة 189] .

عباد الله، لقد عرف الناس التاريخ من قديم الزمان على اختلاف بينهم في تحديده وطريقة معرفته.

وقد رأى الصحابة رضي الله عنهم أن الفرس لها تاريخها والروم لها تاريخها فينبغي أن يكون للمسلمين تاريخهم كذلك.

ففي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه واليه أبو موسى رضي الله عنه:"إنه تأتينا منك كتب ليس لها تاريخ". فجمع عمر الناس فاستشارهم، فيقال: إن بعضهم قال: أرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكها، كلما هلك ملك أرخوا بولاية من بعده. فكره الصحابة ذلك، فقال بعضهم: أرخوا بتاريخ الروم فكرهوا ذلك أيضًا، فقال بعضهم: أرخوا من مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وقال آخرون من مهاجره، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها، فأرخوا من الهجرة.

وقد اتفقوا على ذلك، ثم تشاوروا: من أي شهر يكون ابتداء السنة، فقال بعضهم: من رمضان، فاختار عمر وعثمان وعلي أن يكون من المحرم؛ لأنه شهر حرام يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي فيه المسلمون حجهم الذي به تمام أركان دينهم.

أيها المسلمون، إذن للأمة الإسلامية استقلاليتها وتميزها عن الأمم، فتاريخنا-نحن المسلمين- تاريخ ترتبط به بعض شعائر ديننا ابتداء وانتهاء.

وقد ظل تاريخ الأمة هو التاريخ الهجري إلى عهود قريبة، فلما اشتد الوهن وضعف عند الأمة التمسك بدينها أخذت بتقليد أهل الكفر حتى في تاريخهم. فأرخت الأمة بتاريخ النصارى بميلاد المسيح عليه السلام. وهذه طبيعة المغلوب مع الغالب.

قال النبي صلى الله عليه و سلم: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه) . قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن) [1] .

لقد أصبح بعض المسلمين لا يعرف من التاريخ الهجري إلا رمضان والأعياد، ولو سئل عن تاريخ يومه بالتاريخ الهجري لما درى.

فالواجب علينا-عباد الله- أن نعتز بديننا وتاريخنا، ونعرف أننا أمة من دون الناس، ولئن غُلبنا في المعاملات الرسمية بالتاريخ الميلادي فلنؤرخ في معاملاتنا الشخصية بالتاريخ الهجري عسى أن نحيي ما مات من عز أمتنا.

هذا وصلوا على البشير النذير ...

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت