فقد رغب ديننا الحنيف الزوجَ في اختيار الزوجة الصالحة، كما رغب الزوجة وأولياءها في اصطفاء الزوج الصالح؛ لأن الزوجية أطول المجالسات وأشدها تأثرًا وتأثيرًا، وتنشأ من هذا الارتباط الوثيق الذرية التي تتأثر بالأب والأم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها و لحسبهاـ و لجمالها و لدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) [1] .
وعن أبي حاتم المزني مرفوعا: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ثلاث مرات) [2] .
كما حث أيضًا على القرب من الجلساء الصالحين وحذر من جلساء السوء؛ لأن كل إنسان لديه خلائق وطبائع قابلة للتصدير إذا وجدت من يرضاها.
فالجليس الصالح إما أن يحث جليسه على الصلاح والخير، فيصلح بمجالسته وحرصه على إيصال النفع إليه، وإما أن يسأله عن طرق الخيرات فيدله عليها، وإما أن يستفيد منه الخير والانتفاع بمجرد المجالسة والملازمة، وإن لم يدعُه إلى ذلك أو يسأله.
قال لبيد:
ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
لقد سعد أبو بكر رضي الله عنه بمجالسة النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام فاستجاب له، فكان سبب سعادته في الدنيا والآخرة.
وأما الجليس السوء فإما أن يدعو جليسه إلى فساده ويشجعه عليه فيتأثر الجليس المدعو بالجليس الداعي ويصير مثله أو أكثر. كما قال الأول:
وكنتُ فتى من جندِ إبليسَ فارتقَتْ ... بي الحالُ حتى صار إبليسُ من جُندي!
كان أبو طالب جليس أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية فلما حضرت أبا طالب الوفاة شقي بأثر مجالستهما عند خروجه من الدنيا حينما زفّاه إلى مصير الهلاك وفاءً بحق الصحبة!.
(1) متفق عليه.
(2) رواه الترمذي، وهو حسن.