فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 773

عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه و سلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي طالب: (يا عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله [1] .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في تأثير الجليس على جليسه: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة) [2] .

أيها الأحبة الكرام، إن الجلساء يختلفون في التأثير على جلسائهم قوة وضعفًا، فمنهم من هو قوي التأثير حتى يربح موافقة جلسائه في أعماله وآرائه ومواقفه بسرعة؛ ويرجع ذلك إلى قوة شخصيته وتفكيره وبراهين إقناعه، وقد تعود قدرة تأثيره على غيره إلى قوته المادية وارتباط مصالح جلسائه به، فمن لم يقتنع من عقله وقلبه اقتنع من بطنه وشهوته. خاصة إذا غلب الطمع وكثرت الحاجة.

فداعي الخير أو داعي الشر إذا امتلك هذه القوى ووجد جلساء من أهل الذوبان السريع في شخصيات غيرهم وصل منهم إلى ما يريد.

هذا هو الواقع؛ ولذلك يحذر المسلم مجالسة أصحاب الشبهات الذي يفسدون عليه عقله وقلبه، و يحذر أصحاب الشهوات الذين يفسدون عليه قلبه وجوارحه.

أيها المسلمون، إن الأزمنة الماضية من تاريخ هذه الأمة حظيت بأهل صلاح واستقامة كثيرين كانوا هم الموجهين لمسيرة المجتمع القائدين للناس فيه؛ فلذلك كثر الصلاح والمصلحون، وقل الفساد والمفسدون. لكن تلك الحال العامة الحسنة لم تبق إلى أيامنا، بل أخذت في الانحسار والتلاشي. مع أن الزمان لم يتغير والمكان لم يتبدل، وإنما تغير وتبدل الإنسان الذي فيهما.

يقولون الزمان به فساد ... وقد فسدوا وما فسد الزمان

وقال الآخر:

(1) متفق عليه.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت