أيها المسلمون، إن الإنسان-صغيرًا أو كبيرًا ذكرًا أو أنثى- إذا رضي لنفسه مفارقة الصالحين واللحاق بركب الطالحين سيجني على نفسه جنايات كثيرة، سيندم على تلك المجالسة لهم ولو بعد حين.
فمجالسة السيئين سم زعاف إن لم يقتل يُمرض، وإن سُرَّ مع أصدقاء السوء وقتًا وأحبهم زمنًا فسيندم ولو بعد حين، فتنقلب المودة إلى عداوة والحب إلى بغض، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان 27 - 29] .
وقال: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف 67] .
إن مجالسة أهل السوء دعوة ملحة إلى الوقوع في مساخط الله وما لا يحمد في الخلق الكريم فعله، وتكفي رؤيتهم فإنها دعوة غير مباشرة إلى الخطيئة.
ومجالسة أهل السوء خراب للبيوت وإهدار للطاقات وتضييع للأوقات الثمينة التي هي رأس مال الإنسان على هذه الدنيا. وهي بوابة إخراج الأسرار وكشف لأستار، وقد قيل:
يخرج أسرار الفتى جليسه ... رب امرئ جاسوسه أنيسه
عباد الله، إن الجلساء مفاتيح ومغاليق، فمنهم من جعله الله مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، ومنهم من جُعل مغلاقًا للخير مفتاحًا للشر. فاختاروا لأنفسكم مفاتيح الخير مغاليق الشر تربحوا وتنجوا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر و إن من الناس ناسًا مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) [1] .
أيها المسلمون، إذا نزل الإنسان مكانًا أو خالط مجموعة من الناس فلم يجد فيهم جليسًا صالحًا فليفر من هناك فراره من الأسد، ولا يسوّف في الفرار والهروب؛ فإن البقاء هناك قد يفقده الإحساس بالخطر فيتسرب إليه الداء شيئًا فشيئًا حتى يعمه فيرضاه ويستمرأه. فلتكن الوحدة عن أولئك الأشرار كهفه الذي يأوي فسينشر له ربه من رحمته ويهيئ له من أمره رشدا. كان يقال: الجليس الصّالح خير من الوحدة، والوحدة خيرٌ من الجليس السّوء.
(1) رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم، وهو حسن.