والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها، قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون، قال: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها، قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها، قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) [1] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [2] .
أيها الأحباب الأفاضل، من يجالس الصالحين يصلح عيبه، ويكمل نقصه؛ إذ بهم يتذكر إذا غفل ويتعلم إذا جهل، ويتقوّى إذا ضعف ويتسلى إذا حزن، ويعان إذا احتاج. قال أبو هريرة رضي الله عنه:"المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيبًا أصلحه".
ومن يجالس الصالحين يعرّفونه على الصالحين فينتقل بين تلك الرياض النضرة فيشم من أريجها ويتنزه بين أفنانها فيعود بنفس منشرحة وسمعة طيبة.
من يجالس الصالحين يحفظ دينه ودنياه فيحفظ صحيفة عمله، ويحفظ وقته وعمره وماله.
عباد الله، إن الجليس الصالح مثل النخلة فما أخذت منها نفعك، قال سفيان الثوري رحمه الله:"لربما لقيت الأخ من إخواني فأقيم شهرًا عاقلًا بلقائه". لأنه يتذكر برؤيته الطاعة والصلاح؛ لأن من خير الناس من إذا رآهم الناس ذكروا الله تعالى.
قال عيسى عليه السلام:"جالسوا من تذكركم اللهَ رؤيتُه، ومن يزيد عملَكم كلامه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله".
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
(1) متفق عليه.
(2) رواه أبو داود والترمذي، وهو حسن.