أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المسلمون،
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تبقى الأمور بأهل العدل ما صلحوا .... فإن تولوا فبالظُلاّم تنقاد
إن الجسد بلا رأس موت محقق، والماشية بلا راعٍ فرصة الذئاب ونُهبة الكلاب، والأسرة بلا ربٍّ ضياع وشتات، والسفينة بلا ربان غرق وهلاك. والشعوب بلا حاكم عادل ورق تذروها الرياح في كل مكان، ويُتمٌ ترعاه الجريمة والفوضى، وتربيه الخيانة والأيادي الأثيمة.
عباد الله، إن أي مجتمع بشري يريد النماء والاستقرار والاطمئنان والازدهار، لابد له من قائد يسوس أموره، ويدير شئونه بقوة وأمانة؛ لأن العيش الجماعي مظنة التنازع والتخاصم، والاختلاف والتظالم، فلو ترك الناس بلا سلطة حاكمة، وولاية حازمة لقهر القوي الضعيف، وغلب القادر العاجز، وظلم الغني الفقير.
معشر المسلمين، لقد عاش الناس منذ قديم الزمان وفي طبعهم ميل إلى أن يكون لهم رأس يأتمرون بأمره، ويرجعون إلى رأيه، وإن اختلفت أسماء ذلك الرأس من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، وسواء اتسعت مساحته الجغرافية التي يديرها أم ضاقت.
ومع مرور الزمام عُرف فضل هذه الرئاسة وأهمية الاستظلال بظلها، فلما جاء الإسلام جعل ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين. بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس.
عباد الله، إن اختيار الحاكم في الإسلام لا يقوم على القرابة أو الصداقة أو الشهادة أو كثرة الأتباع وظهور القوة، إنما يقوم على شروط تتوفر في حاكم المسلمين.
ومن تلك الشروط: الإسلام، البلوغ، العقل، سلامة الحواس، العلم بالدين والعلم بالسياسة والحكم والقدرة على الإدارة والقيادة. وترجع هذه الشروط ونحوها- مما لم يذكر- إلى ركنين أساسيين هما القوة والأمانة. قال تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام