والمتتبع يجد أن ما حرم الله على عباده- مما لهم فيه مصلحة عاجلة أو آجلة- يجده قليلًا بجانب ما أباح لهم تصريحًا أو بالبقاء على البراءة الأصلية؛ إذ الأصل في الأشياء الإباحة، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية 13] .
عباد الله، إن ديننا الحنيف دين واقعي متسق المبادئ والتشريعات لا يعروه تناقض ولا اختلاف ولا تعارض وعدمُ ائتلاف؛ لأنه من عند الله، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء 82] .
الإسلام-يا أهل الإسلام- دين لكل البشر فلا تفريقَ فيه بين الأجناس والألوان، ولا بين اللغات والبلدان، لا قومية لا طبقية لا عنصرية، لا تفاضل إلا بالعلم والتقوى، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات 13] .
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة 11] .
خطب رسول الله صلى الله عليه و سلم في وسط أيام التشريق فقال: (يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) [1] .
أمة الإسلام، إن ديننا الإسلامي العظيم دينٌ كتب الله له الخلود حتى يذهب زمان الحياة الدنيا، فليس هناك خطر على الإسلام مهما تكالب عليه الأعداء، وحاكوا له المؤامرات، وبذلوا الجهود المختلفة من أجل إطفاء نوره، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة 32] .
لقد حورب الإسلام منذ بزوغه إلى يومنا هذا حروبًا عدة ظاهرًا وباطنًا، حورب فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، فحاربته قريش واليهود، والمشركون من خارج مكة، وحاربه المجوس والرومان، والهندوس والصليبيون، والتتار والمغول والبربر، وحاربه الاستعمار الحديث تحت مسميات عدة، وأساليب شتى، ومع هذه الحرب الضروس الممتدة لم يزدد الإسلام إلا لمعانًا وتوهجًا، وثباتًا ورسوخًا، وانتشارًا وامتدادا، إنه كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا
(1) رواه أحمد، وإسناده صحيح.