فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 773

حكمة الحكيم الخبير فيما قضى وقدر، ولو كان يعلم علم اليقين ما وراء هذه الآلام والمصائب من الخير لشكر الله عليها.

ولذلك حينما يدعو المكروب والمحزون يعترف وهذه حاله أن الله عدل فيما قضى عليه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحا قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات قال: أجل، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن) [1] .

ونشاهد عدل الله تعالى بجلاء في هذه الشريعة السمحة الغراء التي رضيها الله لعباده، فهي عدل في مبادئها وتشريعاتها، تراعي حق الروح كما تراعي حق البدن، وتراعي حق الدين وحق الدنيا، وتنتظر بالعناية إلى حق النفس كما تنظر إلى حق غيرها عليها. شريعة معتدلة أتت لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها.

قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج 78] .

ومن تلك التشريعات التي يبدو عدل الله فيها ماثلًا: تشريع الحدود على الجناة والمعتدين على الحقوق المعصومة. كحد القصاص وحد السرقة وحد السكر وحد الزنا وغيرها.

فإنها راعت حق المعتدى عليه ظلمًا وعدوانًا بإيجاب الأخذ بحقه ممن ظلمه أو ظلم المجتمع، كما راعت حق المعتدي أيضًا فأوجبت حدًا يناسب جنايته وحرمت الإسراف بعد ذلك فيها.

ليكون العدل واضح المعالم في إيجاب الحد وفي إقامته أيضًا.

فالقتل عمدًا شرع الله فيه القصاص -إذا لم يكن هنا عفو ولا رضا بالدية- زجرًا وتطهيرًا للقاتل، وردعًا لغيره؛ ليعيش المجتمع في أمان وسلام. فمن رضي من الأولياء بالدية فحرم عليه بعد ذلك التعدي على القاتل المعطي للدية، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى

(1) رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت