فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 773

و المتأمل بيننا -نحن المسلمين- في عصرنا المتحضر يجد ذوبان هذه الرابطة يومًا بعد يوم، خصوصًا في المجتمعات المدنية والأحياء الراقية، حيث صار الجار لا يعرف من يسكن بجواره، ولا يدري عن أحواله، وقد يجاور جاره سنين طويلة ثم يموت، وجاره القريب منه لا يعلم! ولا شك أن الأوضاع القروية أحسن بكثير مما عليه الحواضر والمدن.

لقد كان العربي في الجاهلية يفتخر بإحسانه إلى جاره، ويعتز بثناء جاره عليه، خصوصًا إذا كان الجار ضعيفا. فيصير بهذه الرابطة قويًا بعد الضعف، وعزيزًا بعد الذلة، وغنيًا بعد القلة، قال الشاعر العربي:

تعيِّرنا أنا قليلٌ عديدُنا ... فقلتُ لها إن الكرام قليل

وما ضرّنا أنا قليل وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل

لنا جبل يحتلّه من نُجيره ... منيعٌ يردُّ الطرفَ وهو كليل

ويتمدّحون بكف الأذى عن الجار حيث يقول شاعرهم:

ولا نخذل المولى ولا نرفع العصا ... عليه ولا نزجي إلى الجار عقربا

وإذا أصاب الهوانُ جارَهم تألموا لذلك، وعدّوه فاقرة من الفواقر، قال الشاعر:

وإنّ هوانَ الجار للجار مؤلمٌ ... وفاقرة تأوي إليها الفواقر

أيها المسلمون، إن مما ينفع الإنسان قبل سكنى الدار أن يختار الجار، ومن أعظم السعادة أن يوفق المسلم لجار صالح؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من سعادة المرء: الجار الصالح، والمركب الهنيء، والمسكن الواسع) [1] .

قال بعض العلماء: لقد اختارت زوجة فرعون المؤمنة آسية بنت مزاحم عليها السلام الجارَ قبل الدار، كما قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم 11] .

قال الشاعر:

يقولون قبل الدار جار موافق ... وقبل الطريق النهج أُنسُ رفيقِ

وقال الآخر:

(1) رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت