فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 773

اطلب لنفسك جيرانًا توافقهم ... لا تصلح الدار حتى يصلح الجار

فإذا ابتلي الإنسان بجار سوء يؤذيه فعليه أن لا يرد الإساءة بمثلها، بل يردها بالصبر والعفو، والإحسان وبذل المعروف. يروى أن رجلًا جاء ابنَ مسعود رضي الله عنه فقال:"إن لي جارًا يؤذيني ويشتمني ويضيق علي، فقال: اذهب، فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه".

أيها المسلمون، إن الجوار الذي تعارف عليه الناس هو الجوار في المنزل الذي يعيش فيه الإنسان فحسب، وهذا مفهوم قاصر؛ فإن الجوار العام يشمل من يجاورك-أيها المسلم- في دارك، ومن يجاورك في العمل أو المتجر أو المسجد أو الطريق، وكل من يليك في البلدة التي تعيش فيها وما يجاورها، والدولة المسلمة وما يجاورها. ويعتبر الجوار بين الدول مثل الجوار بين الأفراد حيث يطلب فيه الإحسان وعدم الاعتداء، وما قامت الحروب بين الدول المتجاورة إلا بسبب انتهاك حقوق الجوار.

عباد الله، إن للجار على جاره حقوقًا يجب الوفاء بها، وعدمُ التقصير فيها والتماطلِ في أدائها. ويتفاوت الجيران في استحقاق هذه الحقوق زيادة ونقصانًا؛ لاختلاف الروابط والعلاقات الزائدة على هذه الرابطة. فإن من الجيران من له حق، ومنهم من له حقان، ومنهم من له ثلاثة حقوق: فالأول: هو الجار الكافر، والثاني: هو الجار المسلم الذي ليس من الأقارب، والثالث: هو الجار المسلم القريب.

معشر المسلمين، إن أداء هذه الحقوق -الآتي ذكرها- لا يرتبط بصلاح الجار وعدم صلاحه؛ ولذلك تؤدى هذه الحقوق لجميع الجيران، فالجار يشمل: الجار المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والبلدي والغريب، والنافع والضار، والقريب والأجنبي. وللجوار مراتب فليؤدَى لكل جارٍ حقُه.

إخوتي الأفاضل، إن حقوق الجوار كثيرة متعددة، قد تختلف باختلاف الزمان والمكان والبيئة، ولكنها تعود إلى أصول جامعة تنضوي تحتها، ومن تلك الأصول:

كف الأذى عن الجار بجميع صوره وأشكاله، سواء كان أذى قوليًا أم أذى فعليًا، مباشرًا أم غير مباشر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره) [1] .

فمن الأذى: سلاطة اللسان بالسباب والشتائم والهمز واللمز، وهذا الأذى خطره على صاحبه كبير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم: إن فلانة تصلي الليل و تصوم النهار، و في لسانها شيء يؤذي جيرانها؟ قال:

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت