عباد الله، هذا هو القرآن الكريم، أنزله الله ليكون كتابَ هداية وإرشاد، وحجة وحكمة، وعلم وإيمان، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم. من تمسك به نجا، ومن ضل عنه هلك، احتوى على عجائب لا تنفد، وفتح أبوابًا للنور لا توصد.
فحري بنا أن نتأمله ونتدبر آياته؛ لنفتح أقفال قلوبنا، وغِشاوة عقولنا، نتنقل بين رياض آياته التي تتحدث عن الله تعالى، وعن رسله وتشريعاته لخلقه، وقصصه عن الغابرين؛ لنستلهم من تلك القصص العظات والعبر، فنتمثل الحق من ذلك في حياتنا.
ولقد اشتمل القرآن الكريم على عدد من القصص التي تحكي الأحداث: إما عن الأنبياء وما جرى لهم مع المؤمنين بهم أو الكافرين، وإما عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة، وإما عن حوادث وأقوام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقصص القرآن أصدق القصص كما قال تعالى: {ِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا} [النساء 87] ؛ وذلك لاشتمالها على موافقة الخبر للحدث.
وهي أحسن القصص، كما قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف 3] ؛ لأنها احتوت على أعلى درجات البلاغة الأسلوبية، والفصاحة اللفظية، والجلالة المعنوية.
وهي أنفع القصص كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف 111] ؛ وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق، فلا تساق هذه القصص البديعة للتسلية ومعرفة الحدث مجردًا، وإنما يؤتى بها لخير يُتّبع، وهدي يستمسك به، أو لشر يُجتنب، أو مثَل سوءٍ يبتعد عنه، أو مثل حسنٍ يقتدى به.
عباد الله، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ 12} وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ {13} وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ {14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {15} يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ {16} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ