الْأُمُورِ {17} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ {19} [لقمان 12 - 19] .
هذا نموذج فريد من القصص القرآنية يحكي قصة العبد الصالح لقمان في سورة سميت باسمه؛ إعلاء لشأنه، ذكر الله فيها ما جرى له مع ابنه من حديث مؤثر في التربية والنصيحة، وقد صُدِّرت هذه السورة الكريمة بإشارة تلميحية إلى تميز قصص القرآن الكريم على قصص غيره؛ إذ تورد القصة القرآنية لهداية الناس، وتبصيرهم طريق الحق، بخلاف قصص ما سواه، ففي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [لقمان 6] ، إيماء إلى القصاصين الملهين للناس المعرِضين بهم عن القرآن كالنضر بن الحارث الذي كان يسافر إلى بلاد الفرس ويقتني كتبَ قصصِ ملوكهم، ويأتي مكة يحدث بذلك؛ ليشغل أهل مكة عن سماع رسول الله. فبينت السورة بهذا التصوير أن القرآن في قصصه يشتمل على ما فيه هدى وإرشاد للخير، ومُثُلِ الكمال، فجاءت بهذه القصة لتكون أنموذجًا عن هذه المقاصد الشريفة من القصص.
أيها المسلمون، إن تربية الجيل أمانة عظيمة، تتطلب تظافر الجهود ابتداء من البيت الذي يعد عنصر التأثير والتأثر الأول في نفس النشء، فتربية الأولاد مهمة تقف على كاهل الأب والأم؛ لكونهما راعيين عمن استرعاهما الله عليه، فالأب راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها, كما قال نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام.
عباد الله، إن لقمان عليه السلام كان رجلًا حكيمًا حُفظت عنه حكِم كثيرة، خصوصًا في تربية الولد، وفي هذه الآيات بعضٌ من تلك الحكم. فقد اجتمعت في هذه الآيات الكريمة من وصيته لابنه أمثلة من أصول الشريعة كلها وهي: الاعتقادات والأعمال والآداب، فما أحوجنا إليها تعلمًا وتعليمًا وعملًا!
عباد الله، إن نعم الله على عباده كثيرة متنوعة ومن أعظم هذه النعم: الصواب في المعتقدات، والفقه في الدين، والعلم والعمل والفهم الصحيح، وهذه هي الحكمة، ومن يُرزقُها فقد رزِق خيرًا كثيرًا، قال تعالى: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة 269] ، وهذه العطية الحسنى لن تدوم ولن تزيد إلا بشكر واهبها قولًا وفعلًا بتحقيق نتائجها في الإصلاح لا الإفساد.
والله تعالى غني غنىً مطلق لا يحتاج الشكر ولا ينفعه حصوله، وإنما عائد ذلك الشكر على الشاكر ببقاء النعمة وزيارتها؛ ولهذا قال تعالى هنا: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ