الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان 12] .
معشر المسلمين، إن محبة الولد والشفقة والحرص عليه فطرة وجبلة في قلب أبويه؛ ولذا هما يحرصان على جلب ما يسعده ودفع ما يضره، ولكن للأسف -يا عباد الله- فقد اقتصر فهم كثير من الناس في إسعاد الأولاد على توفير الطعام والشراب والكساء والدواء والمسكن وغير ذلك من حاجات الجسد، ولا ينظرون إلى أهم من ذلك كله وهو إسعاد الروح وإصلاح السلوك، فأقل الناس من يفعل هذا. لقد قام لقمان رحمه الله بوعظ ابنه مرغّبًا ومرهبًا -وقبل أن يزرع فيه بذور الخير والصلاح- أراد أن يزيل ما في نفسه من الشر حتى تخلو وتصفو، وبعد ذلك يضع ما يريد من الخير. وإن أعظم الشر: الشرك بالله تعالى والكفر به، بصرف شيء من حق الله لغيره، وهذا هو الظلم العظيم حقًا؛ فلا أظلم ممن سوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمالك الأمر كله، وسوى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوى من لا يستطيع أن ينعم بمثقال ذرة من النعم، الذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟
روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟! قال: (ليس كما تقولون {لم يلبسوا إيمانهم بظلم} بشرك، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} ؟) .
ومن هنا تبدأ وصايا لقمان، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان 13]
عباد الله، لا حقَّ أوجب تأديةً بعد حق الله من حق الوالدين اللذين كانا سبب الوجود للولد في هذه الحياة؛ ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحقهما في آيات من القرآن الكريم كهذه الآية؛ لأن لله تعالى نعمةَ الإيجاد، وللوالدين نعمة التربية والإيلاد.
إن بر الوالدين -معشر المسلمين- فريضة في كل الشرائع والأديان، ويأمر بها العقل السليم ومنهج العدل القويم، وردُ الجميل والمعروف. فكم قدم الوالدان من كفاية ورعاية وعناية، وتحملا من شقاء وعناء، وحرمانٍ من هناء، تعبا ليستريح الولد، وسهرا لينام، وبذلا ليستغني، وجاعا ليشبع، وعطشا ليروى. تتسع الحياة بهما إن ضحك وسلِم، وتضيق عليهما إن حزن أو سقِم، وكل تعب تحملاه، وكل عطاء قدماه؛ ليكبر ويحيا.