أفلا يستحقان بهذا طاعةً وخفضَ جناح، وكلمة لينة، وردًا جميلًا، وإحسانًا ورحمة، وبرًا ورعاية؟.
ألا ما أفظع العقوق وأسوأ فعله! وآكد عاقبته وعقوبته، يوم يقلب العاق -ابنًا أو بنتًا- لوالديه ظهر المجن، ويكفر المعروف، فيرفع صوته فوق صوت أبيه، ويميل إلى العطوف الرؤوم إلى أمه فيسقي خدودَها دمعَها الهتان؛ جراءَ عصيانه وعقوقه، وقد يتعدى ذلك السوء إلى الضرب والإهانة.
ألا فليحذر العاق، وليستدرك قبل نزول العقوبة وفوات زمن الاستدراك, وليبشر البار المحسن بسعادة الدنيا ونجاة الآخرة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) ، قلت: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) قلت: ثم أي؟ قال: (ثم الجهاد في سبيل الله) [1] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ - ثلاثا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور -أو قول الزور -، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم متكئًا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) [2] ؛ ولهذا قال تعالى هنا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ 14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {15} [لقمان 14 - 15] .
عباد الله، إن بر الوالدين واجب الأداء مالم يتعارض مع حق الله، كأن يأمرا بمعصية الله، أو ينهيا عن طاعته، فإن فعلا فلا طاعة لهما، ولكن لا يعقان، بل يحسن إليهما في حدود الطاعة.
أيها المسلمون، أين يذهب الإنسان عن علم الله ونظره؟ هل هناك أرض غير أرضه؟ وكون غير كونه، وملك غير ملكه؟ حتى يتمكن العاصي من فعل معصيته دون رؤية خالقه ونظره وعلمه؟!
أيها العبد المسلم، راقب حركاتك وتصرفاتك أن تزل أو تضل؛ فهناك من يرقُب, فلا تستصغر ذنبًا تعصي الله به وتقول: إنه صغير حقير، فكل ذلك مسجل عليك لا يفوت اللهَ منه شيء، والصغير بالتواتر كبير.
إذا أردت أن تعصي الله فتذكر قدرته وعلمه وعظمته: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك 14] ، وأنت أيها الطائع لا تحتقر المعروف لصغره وقلّته، فإن
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.