فعلته فتيقن أن ذلك لن يذهب ما دام خالصًا صوابا، بل هو مسجل لك عند المحيط بكل شيء، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء 40] .
ولهذا قال لقمان لابنه واعظًا: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ 16} [لقمان] .
إذا ما خلوتَ الدهر يومًا فلا تقل ... خلوتُ ولكن قلْ عليّ رقيب
ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعة ... ... ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
أيها الناس، إن الصلاة هي أكبر العبادات البدنية، وعمود الإسلام وعماد الأعمال, وأعظم الطاعات وأدومها، وفريضة السماء، وأحب الأعمال إلى الله، وكفارة الذنوب ومحرقتها، ومهذبةُ النفوس ومُصلِحتُها.
الصلاة اعتراف بطاعة الله، وطلب الاهتداء للعمل الصالح، الصلاة اتصال بالله وقربٌ منه ومناجاة وابتهال، الصلاة تواصل مع العبادة، وهجر لمشاغل الدنيا وإقبال على الآخرة.
الصلاة في حقيقتها ليست حركات جوفاء، وعادةً تُؤدى بأفعال محدودة ويُنتهى منها، إن الصلاة بتلك الحركات التي لا معنى لها صلاة ميتة, أما حياة الصلاة فباستعدادٍ قبلها، وتوجهٍ أثناءها، وتأثر بعدها. فالمصلي الحي يجمع في صلاته حضورَ القلب، وتفهّم معنى الكلام المتلو أو المسموع، واستحضار تعظيم الله وهيبته، من معرفة جلال الله تعالى، ومعرفة حقارة النفس واستعبادها لمعبودها الجليل، فإذا سمع المسلم النداء لها تذكر النداء للقيامة فلينظر ماذا يجيب، وإذا ستر عورته فليعلم أن المراد من ذلك تغطية فضائح بدنه عن الخلق، فليذكر عورات باطنه، وفضائح سره التي لا يطلع عليها إلا الخالق تعالى.
وإذا استقبل القبلة فقد صرف وجهه عن الجهات إلى جهة بيت الله تعالى، فصرف قلبه عن كل شيء إلا إلى الله وحده, فإذا كبّر استشعر بحسه وفعله أن الله أكبر من كل شيء؛ فلا يقدم عليه شيئًا, وإذا ركع استشعر في ركوعه التواضع والعبودية، وفي سجوده الذل والانكسار للعظيم سبحانه.
فمن أراد الفلاح يوم المزيد فعليه إقامة الصلاة في أوقاتها بأركانها وشروطها وواجباتها، وسننها وخشوعها وحقيقتها.