فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 773

هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه وعمامة كنت تشد بها رأسك؟!. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى) . وإن أباه كان صديقا لعمر [1] .

أيها المسلمون، إن بر الوالدين وتقديم طاعتهما إنما يكون في المعروف، فلو أمرا بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة. قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت 8] .

روي سعد بن أبي وقاص أنه قال:"كنت رجلًا برًا بأمي فلما أسلمت قالت: يا سعد، وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال: يا قاتل أمه، قلت: يا أمه، لا تفعلي؛ فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يومًا وليلة لا تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا آخر وليلة وقد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا لشيء، فان شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت".

أيها المسلمون، إن البر بالوالدين عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أحسن القربات، ووسيلة من وسائل السعادة في الدنيا والآخرة.

فالبر من أحب الأعمال إلى الله تعالى، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال

: سألت النبي صلى الله عليه و سلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) . قال: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) . قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) [2] .

والبر من أسباب النجاة من المهالك، ففي حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار:

"قال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان قال: فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء قال: ففرج عنهم ..." [3] .

والبر من أسباب تكفير الذنوب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما"أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيرى، فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمك حية؟ قال: لا. قال: تب إلى الله عز وجل، وتقرب"

(1) رواه مسلم.

(2) متفق عليه.

(3) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت