فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 773

حواء عليها السلام، وهناك من خلق من أم فقط، وهو عيسى عليه السلام، وهناك من خلق من الأصلين معًا وهم بقية الناس.

عباد الله، تأملوا في الآيتين الماضيتين لطيفتين مهمتين:

الأولى: أن الله حينما بدأ بذكر هبة الأولاد بدأ بذكر الإناث قبل الذكور، وهذا له حكمته ولم يأت في هذا الموضع عبثًا، فمن حكمته: الرد على بعض أهل الجاهلية الذين كانوا يكرهون ولادة الإناث ويتشاءمون بهن، وربما دفنهن بعضهم وهن من الأحياء.

قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} [النحل 58 - 59] . وقال: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} {بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير 8 - 9] .

الحكمة الثانية: أن في هذا التقديم لذكر الأنثى دعوة للاعتناء بهن ورحمتهن ورعايتهن، قال واثلة بن الأسقع:"من يمن المرأة تبكيرها بأنثى؛ لأن الله بدأ بها"، وقرأ الآية السابقة.

اللطيفة الثانية: أن الله عز وجل ذكر في جانب العطاء بالأولاد لفظ الهبة، وفي جانب الحرمان ذكر لفظ الجعل، فقال: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ} {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ... } [الشورى 49 - 50] . فذكر لفظ الهبة في حصول الأولاد لكون الإيلاد هو الأصل، وذكر لفظ الجعل الذي فيه تحويل وتصيير من شيء إلى شيء؛ لكون الحرمان خروجًا طارئًا وآنيًا عن هذا الأصل، ولأنه أقل الحالين في الوجود.

أيها الأحبة الأكارم، إن حصول الأبويين على الأولاد، أو حرمانهم منهم ابتلاء واختبار من الحكيم الخبير. فوجود الأولاد اختبار للوالدين على أداء الأمانة فيهم من التربية والرعاية والصبر على تحمل أعباء تنشئتهم. وعدم الأولاد أيضًا اختبار على الصبر على الفقد والحرمان، وعلى تحفيز النفس إلى التضرع والابتهال بين يدي الرب تعالى. إذن الوجود والعدم ابتلاء، قال تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد 23] .

أيها المسلمون، إن النفس البشرية مفطورة على حب الأولاد والتعلق بهم؛ لأنهم ثمرات القلوب، وراحة النفوس، وأنس الأسرة والبيت، وأزاهير بستان الحياة الدنيا وزينتها، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت