فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 773

همُ صُنعٌ لجارهمُ وليست ... يد الخرقاء مثلَ يد الصَّناع

ويحرم سرُّ جارهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع

أي: أول الطعام.

والجار الصالح لا يتتبع عثرات جاره، بل يسترها، ولا يفرح لهفواته بل يحزن إن وصل علمه إليها، قال الشاعر:

لا يفطنون لعيب جارهمُ ... وهمُ لحفظ جواره فطُن

معشر المسلمين، إن إيذاء الجيران ذنب كبير يذهب من الإيمان جزء كبيرًا، وإذا ذهب كمال الإيمان تعرّض صاحبه للعقوبات، وتخلى الله عن عونه ومعيته له.

قال النبي صلى الله عليه و سلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) . قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) [1] . فانظروا رحمكم الله! إلى هذا التكرار في نفي الإيمان عن الجار المؤذي.

بل أعظم من ذلك أن الجار المؤذي متوَّعَد بعدم دخول الجنة، إذا استمر على إيذائه، أواستحل ذلك، ومات على هذه الحالة السيئة.

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) [2] .

والبوائق: الشرور. فاتقِ أيها الجار في جيرانك، واحذر الأذية؛ فإنها إلى النار مطية.

أيها المسلمون، ومن حقوق الجار على جاره:

حمايته من كل سوء يعرض له، والدفاع عنه، وحفظه في أهله وماله حال غيبته، والتضحية من أجله، في حدود المقدور عليه، ما عدا غير المستطاع.

وهذا الحق-إن كان من حق المسلم على المسلم- فالجار من أحق الناس به، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) [3] .

فمعنى (لا يسلمه) أي: لا يخذله، ولا يتركه لعدوه، بل ينصره وينجده.

وهذا الصنيع الشجاع يدل على شرف الجار المُعِين، وعلو همته ونجدته، وكرم شيمه وسمو أخلاقه. وقد كان هذا الخلق النبيل فخرًا وشرفًا يفتخر به العربي في الجاهلية والإسلام، كما

(1) متفق عليه.

(2) رواه مسلم.

(3) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت