فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 773

الحكمة ومستخلصة من معادن البيان والفصاحة، ينطق بالحكمة الباهرة، والعلوم الجمة المتكاثرة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يصاحب الحكماء ولم يجالس العلماء ولم يشافه البلغاء ولم يرافق الفصحاء. له لسان محفوظ من الخنا، ومصون عن الفحش والبذاء، لم يحفظ عنه زلل، ولم يؤثر في نطقه خلل، يتحرى الكلام تحريًا دقيقًا فلا يسترسل في هذر أو خطل، ينطق في موضع النطق وإلا فيتحرز في حصن الصمت والسلامة.

عليه -صلى الله عليه وسلم- عزة الزهد عن الرغبات ومفاتيحها في يديه، وإعراض عما يلهي ليكتمل له الإقبال على الآخرة.

أيها الأحباب، كان عليه الصلاة والسلام لليتيم والأرملة والمسكين من تواضعه ووقته ورحمته حظ ونصيب يقضي حاجاتهم ويستمع خطابهم ويعينهم فيما يستعينون به عليه.

حلم ووقار مع جفوة الأعراب وسفه الشانئين الحاقدين. فما طاش حلمه ولا جهل رأيه، ولا انتقم لنفسه إنما كان ينتقم لله تعالى.

وفاء بوعد، وإتمام لعهد، فما أخلف لأحد موعدا، ولا نقض لأحد عهدا. وأما أفعاله عليه صلوات الله وسلامه فسيرة حسنة وسياسة رشيدة، نقلت الأمة من حياة الانفراد والعزلة إلى حياة الجماعة والعالمية، فانقاد له الخلق وثبّت قواعد الدين الحق في فترة وجيزة فأخذها الخلف عن السلف.

لم يكن صلى الله عليه وسلم يُميل أصحابه عن الدنيا ولا يصرفهم إليها، بل أمدهم بالاعتدال والتوسط فأمرهم بالجمع بينهما؛ لأن من لم يصلح دنياه لن يصلح دينه.

وكان له عليه الصلاة والسلام من السخاء القِدْح المعلى مع حاجته وخصاصته، وكل ما يشاء من خيرات الدنيا مبذول له.

أيها الفضلاء الأكارم، فهل سمع الناس عن أحد كمحمد عليه الصلاة والسلام قائلًا إذا قال، وفاعلًا إذا فعل؟ فهل سمعوا صابرًا كصبره، وشاكرًا كشكره، وحليمًا كحلمه، وجوادًا كجوده، ومعاهدًا كعهوده، وواعدًا كوعوده، وأمينًا كأمانته، وزاهدًا كزهادته، ومربيًا كتربيته، وإنسانًا شهد له بالفضل أعداؤه وحساده إذ لم يجدوا فيه مغمزا لغامز، ولا مثلبًا لثالب أو لامز، فهو كما قال الأول:

شهد الأنام بفضله حتى العدى ... والفضل ما شهدت به الأعداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت