فهرس الكتاب

الصفحة 619 من 773

أدركوه، وليس اعتداء على أمة محمد عليه الصلاة والسلام فحسب، بل هو اعتداء على الإنسانية كلها؛ لأنه اعتداء على محرر الإنسانية وهادي البشرية ورحمة الله للعالمين كافة.

فماذا وجدوا في محمد صلى الله عليه وسلم من نقص حتى ينتقصوه، أو من عيب حتى يعيبوه به؟! لكنها النفوس الحاقدة المنتكسة التي ترى الحمد ذما والكرم مثلبة وعيبا.

أيها المسلمون، لقد وهب الله تعالى رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام معاقد العظمة البشرية فتمثلها في حياته قولًا وعملًا وخلقًا.

فإنه لم تجتمع قلوب البشر منذ أبي البشر الأول آدم عليه السلام وإلى اليوم وإلى نهاية الدهر كاجتماعها على محمد عليه الصلاة والسلام، إجلالًا وتعظيما، سواء المتبع الموافق أم المجانب المفارق. فما أكثرَ ما قاله المنصفون من غير المسلمين في هذا الجلال والعظمة. وما ذاك إلا لأن الله تعالى قد أعطاه الكمال البشري المطلق في خلقه وخلقه.

فقد كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم معتدل الصورة، بهي الطلعة، عليه سكينة باعثة على التعظيم والهيبة، ولم تكن هيبته بكبر أو سطوة، ولكن بتواضع وسهولة. وعليه طلاقة توجب محبته ومودته، حتى تنافست النفوس أن تفديه وتحميه بذهاب أرواحها. وكان حسن القبول حتى أسر القلوب فأذعنت لموافقته وانقادت لأمره وترك مخالفته.

وأما خلُقه العذب عليه الصلاة والسلام فسل سيرته العطرة في مراحل حياته النضرة، سل عنه يتيمًا يجبك الصبر والكد، وسل عنه شابًا يجبك النشاط الدؤوب والعفة و الجد، وسل عنه تاجرًا وعاملًا يجبك الإتقان والأمانة، وسل عنه زوجًا يجبك حسن العشرة وقوة الوفاء، وسل عنه أبًا تجبك الرأفة وحسن التربية، وسل عنه نبيًا تجبك التضحية والحرص والأمانة والفصاحة والثبات المر. وسل عنه قائدًا تجبك الحنكة والشجاعة والإقدام، وسل عنه مربيًا ومعلمًا يجبك حسن التعليم والتأديب. وصدق معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه يوم قال: (فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه) [1] .

عباد الله، من سمع قوله عليه الصلاة والسلام رأى أقوالًا تنبئ عن عقل رجيح وفكر صحيح، تخرج من خطوب الأمور ومدلهمات الأحداث. أقواله مستخرجة من خزائن

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت