فهرس الكتاب
أيها المسلمون، سأتحدث اليوم إليكم عن عبادة من أعظم العبادات، وقربة من أعلى القربات، عبادة لا تنقطع في حياة المسلم المكلف حتى تنقطع حياته أو يذهب عقله، لا عذر في تركها لعاقل بالغ ولا لمريض مدرك أو مسافر.
أتحدث عنها اليوم حينما قل أهلها بين العدد الكثير، وقصر عن إتقانها مؤدوها، وبدت ألسنة الشر وبنانه تزهد من شأنها وتنتقصها عبر بعض وسائل الإعلام الموبوءة.
لقد سما الله هذه العبادة إيمانًا، وقرنها في القرآن بكثير من العبادات، وربما أفردها عن العموم الذي تدخل فيه فذكرها بعد ذلك في السياق نفسه تعظيمًا لقدرها.
لقد أوجبها الشرع على كل حال، وإن وقع التخفيف في بعض شروطها وكيفيتها عند وجود الأعذار. وقد اشترط لها أيضًا أكمل الأحوال من الطهارة والزينة وحسن الحال، ونهى أن يشتغل فيها بغيرها عند القيام بها.
وجعلها الله دينه الذي يدين به أهل السماء والأرض، وفرضها في جميع الشرائع، فلم يبعث نبي إلا ودعا إليها.
وجعلها عبادة للقلب واللسان وسائر الجوارح، فكل عضو له مشاركة فيها.
وقد أمر الله تعالى نبيه أن يصطبر عليها ويأمر بها، فقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132] .
لعلكم أدركتم-أيها الأحبة- هذه العبادة العظيمة بهذه الصفات الكريمة، إنها الصلاة، فما أحلى الصلاة وما أعظم الصلاة وما أسعد الحياة بالصلاة.
عباد الله، إن الصلاة من العبادات الملازمة للمسلم في ليله ونهاره على سبيل الوجوب، ولكن الناظر إلى حال المسلمين مع الصلاة سيجدهم أنحاء متفرقة فيها، فهم بين: تارك لها على الدوام، لأسباب متعددة، ومنهم من هو ساهٍ عنها مقصر فيها إما في أداء بعض الفروض دون بعض، وإما تأخير لها عن أوقاتها، وإما بفعلها في غير المساجد، وإما بعدم إتقانها، وإما بقلة الاستفادة من آثارها في الحياة العملية.
وإنها لمفارقة عجيبة حينما ينظر الإنسان إلى بعض هؤلاء في تعاملهم مع مصالح الدنيا، إذ يشاهد الحرص والجد والإتقان والغرام بها، وفي جانب الصلاة يتعامل بالكسل والكره والتطفيف، فويل للمطففين. وويل للذين هم عن صلاتهم ساهون.
إن هذه الأحوال المؤسفة لتنبئ عن صغر شأن الصلاة في قلوب أولئك المضيعين والمقصرين.