فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 773

وقال الشاعر:

أنتِ أختي وأنت حرمةُ جاري ... وحقيق عليَّ حفظُ الجوار

إن للجار إن تغيّب غيبيًا ... حافظًا للمَغيب والأسرار

ما أبالي أكان للجار سترٌ ... مسبَل أم بقي بغير ستار

وهذا الحق الكبير-عند ذوي النفوس العلية، والخصال الزكية- لا يسقط بالجفاء والأذية، والفعال غير الرضيِّة، بل يبقى ليؤدى، ولعله سيكون سببًا لهداية ذلك الجار البعيد عن إحسان الجوار، وتغيير أسلوبه المعوج؛ فقد كان لأبي حنيفة رحمه الله جار بالكوفة يؤذيه بصوته ليلًا حينما يعود من عمله، ويرفع صوته منشدًا وهو في حالة سُكر:

أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسِداد ثغر

فيسمع أبو حنيفة صوته, فاتفق ذات ليلة أن أخذه الحرس وحبسوه، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه في الغد فأخبروه بحبسه، فركب إلى أمير البلد، وطلب منه إطلاق الجار فأطلقه في الحال.

فلما خرج الفتى دعاه أبو حنيفة وقال له:- سرًا- فهل أضعناك يا فتى؟

قال: لا، ولكن أحسنت أحسن الله جزاءك، ولن أعود إلى ما كنت أفعل.

وإن من العجيب في حماية الجار ما فعله أحد العرب الذي نزل الجراد حول خبائه فمنع أحدًا أن يصيده حتى طار وبعُد عنه.

عباد الله، ومن حقوق الجار على جاره:

الإحسان إليه بكل ما يستطاع من وجوه الإحسان القولية والفعلية. فلا يكفي الجارَ أن يسلم من الأذى، وإنما يضاف إليه الإحسان وإيصال المعروف.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) [1] .

قال حاتم الطائي لزوجته:

إذا كان لي شيئان يا أم مالك ... فإن لجاري منهما ما تخيّرا

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت