فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 773

من طائر جارح يصيده، فإذا بصر سمكة يستطيع الإمساك بها انقض عليها كالسهم، فإن رأى جارحًا يريد شرًا به مر ّ في الأرض وذهب.

وحاله في الحذر كحال الذئب، فإنه إذا أراد أن ينام راوح بين عينيه، فيطبق واحدة ويفتح الأخرى، فإذا كلّت أطبقها وفتح الأخرى، يقول أحد الشعراء في وصف حاله هذه:

إذا خاف جورًا من عدوّ رمت به ... قصائبه والجانب المتواسع

وإن بات وحشًا ليلة لم يضق بها ... ذراعًا ولم يصبح لها وهو خاشع

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع

أيها المسلمون، إن الحياة مدرسة للعقلاء يستلهمون منها عظات وعبرًا تنير دروب الحياة، فمن لم يستفد في حياته لم يستفد بعد مماته. والحكمة ضالة المؤمن يختطفها من أي جهة خرجت.

إن من مبادئ العيش في هذه الحياة: الأخذ بالحذر والحيطة، وركوب مطية اليقظة والترجل عن صهوات الغفلة. فمن هجر التأهب والاستعداد للمخاوف جاءته المكاره من كل جانب إلا أن يشاء الله.

فإن قال قائل: إن الحذر لا ينجي من القدر قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [البقرة 243] .

قيل له: إن الله أمرنا بفعل الأسباب، وأخذ الحذر من فعل الأسباب، فإذا جاء قدر الله فهو فوق الأسباب.

إن من نظر في القرآن الكريم سيجد أن الله تعالى أمرنا بأخذ الحذر والحيطة من عدة أشياء، فقد حذرنا تعالى من عقابه فقال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران 28] .

وحذرنا من مخالفة أمره وارتكاب زجره، فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور 63] .والمؤمن حينما يسمع هذا التحذير الشديد يسوقه ذلك إلى باب ربه ليتقرب إليه بالصالحات، قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر 9] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت