وحذرنا الله تعالى من أعداء ديننا فأمرنا فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا} [النساء 71] .
أيها الأحبة، إن المتأمل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أن رسول الله قد أخذ بالحذر في أحوال متعددة:
ففي بداية الإسلام لم يكن من المناسب إظهار الإسلام وإعلان شعائره بين الملاء في مكة، فكان رسول الله وكبار أصحابه يعرضون الإسلام على من يلتمسون فيه الخير في الخفاء، وكان عليه الصلاة والسلام يجتمع مع أصحابه لأداء الصلاة وإسماعهم القرآن خارج مكة، واستمر على ذلك ثلاث سنوات. ثم هاجر من مكة ليلًا وكمن في غار ثور ثلاثًا حتى ينقطع الطلب، فلما وصل المدينة-وكان يعرف خبث اليهود ومكرهم- أقام المعاهدات مع اليهود حتى يأمن جانبهم. وكان عليه الصلاة والسلام يعرف تربص قريش به فكان أول ما وصل المدينة لا يبيت إلا محروسًا. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه و سلم سهر فلما قدم المدينة قال: (ليت رجلًا من أصحابي صالحًا يحرسني الليلة) . إذ سمعنا صوت سلاح فقال: (من هذا؟) . فقال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك ونام النبي صلى الله عليه و سلم) [1] .
وفي السير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلًا حتى نزل: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال: (يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل) .
ومن حذره عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها؛ حذرًا من كيد الأعداء أن يعرفوا وجهته فيكمنوا له فيعيقوه.
ولما سمته اليهودية في خيبر في الشاة المصلية كان بعد ذلك لا يقبل من أحد يشك فيه إذا أهدى له طعامًا حتى يأكل منه صاحبه.
عباد الله، ومن حذره صلى الله عليه وسلم أنه حذر أمته أشياء؛ لعلها تسلم شرها، ومن ذلك:
التحذير من المنافقين، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم باللسان) [2] .
وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون 4] .
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب!
وحذر عليه الصلاة والسلام أمته من أصحاب الشبهات والبدع، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الآية هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد والبيهقي والطبراني، وهو صحيح.