قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [1] .
ومن صور الكذب: شهادة الزور، وهي قلب الحقائق رغبة في مطلوب أو رهبة من مخوف، خاصة في المنازعات.
قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج 30] .
ومن صور الكذب: الكذب في الشهادات، وإعطاؤها لمن لا يستحقها، وهذه خيانة عظيمة للدين ولدنيا الناس، فكم سيفسد صاحب الشهادة المزورة في المجتمع، فكم من مريض مات لأن معالجه لم يكن طبيبًا متخصصًا في مرضه، أو لكونه غير طبيب ابتداء.
ومن صور الكذب: الظهور بمظاهر العلماء والتحدث باسمهم ممن ليس عالمًا حقًا؛ ولذلك لا تستغربوا من بعض الفتاوى العجيبة الغريبة التي قد تحل الحرام، أو تحرم الحلال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) [2] .
ومن صور الكذب: إقامة الحفلات والمسرحيات التي مبناها على الكذب والغرض منها إضحاك الناس والترويح على الجمهور كما يقولون.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له) [3] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) [4] .
أيها المسلمون، لقد كان الكذب في الأزمنة السابقة لعصرنا شيئًا مقبوحًا وأمرًا مشينًا، أما في عصرنا فقد لبس الكذب لبوس الصدق وغدا حقًا بعدما كان باطلًا، ومعروفًا بعد ما كان منكرًا، وذكاء ومروءة وكياسة بعدما كان غباء ولؤمًا ودناءة، وحسن تصرف وفقهًا بالواقع ودبلوماسية وحصافة بعدما كان جهلًا وحمقًا وسخافة، حتى لقد أضحى أهله يشار إليهم بالبنان، وتعلق عليهم نياشين التكريم وأوسمة التقدير، فسبحان الله!. هذا الذي جرى من انقلاب الموازين التي تحدث عنها نبينا عليه الصلاة والسلام في قوله: (سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة) [5] .
فمن تابع السياسة وحبائلها اليوم يجد أن الكذب لون أصيل من ألوانها، وقلما يصبح المرء سياسًا لامعًا إذا لم يرقَ على سلم الكذب، إلا من بقي عنده شيء من دين أو خلق حميد.
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وهو حسن.
(4) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.
(5) رواه ابن ماجه، وهو صحيح.