ومن تابع الإعلام-فحدث عن البحر- سيجد أن الكذب فيه يغزل غزلًا ويصنع صناعة ثم يقدم للجمهور على أنه الحقيقة والصدق وما سواها الباطل والكذب، إلا ما قل، فكم غيرت من مفاهيم صحيحة، وقُلبت من سلوكيات مستقيمة بسبب كذب الإعلام الذي صار دجال العصر بحق. وكذباته تبلغ الآفاق ويشاهدها ويقرأها ويسمعها أعداد لا يعلمها إلا الله.
وإذا انتقل الإنسان بعد ذلك إلى الإدارات الخدمية والمكاتب العامة والخاصة سيجد الكذب سمة بارزة أيضًا؛ لأن الكذب صارًا مسألة متعارفًا عليها، إلا من رحم الله.
وإذا ذهب الإنسان إلى الأسواق سيرى أن الكذب قد أقام فيها وباض وفرخ وخرج من نسله المشؤوم: الغش والتدليس واليمين الغموس، والحيلة والخداع وذهاب البركة ومحق الأرباح.
فنسأل الله أن يصلح الأحوال.
قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،
أيها المسلمون، إن مطابقة القول للعمل، والظاهر للباطن، والخبر للواقع، هي حقيقة الصدق، صدق في الأقوال وصدق في الأفعال وصدق في الأحوال، وصدق في الظاهر وصدق في الباطن، فلا كذب ولا رياء ولا نفاق ولا خداع.
فالصدق بهذا المفهوم العام هو الذي يجب أن يكون عليه المسلم، فالأصل في المسلم الصدق، وأما الكذب فهو خلق طارئ على الفطرة السليمة والعقل المستقيم والخلق الحميد والدين الصحيح.
إن الصادقين-حينما يخالطون الكافرين- يمثلون الوجه المشرق للمسلمين، وأما الكذبة فهم الوجه المشوه الذين أساءوا للمسلمين باتصافهم بهذا الخلق الذميم. وتعجب عندما تجد من أولئك الكافرين من هو أصدق منطقًا من بعض المسلمين.
عباد الله، إن أهل الصدق يعيشون في طمأنينة وراحة، فليس عندهم قلق الكاذبين وخوفهم واضطرابهم، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) [1] .
وأهل الصدق هم أهل الربح وبركة العيش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحًا ويمحقا بركة بيعهما، اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب) [2] .
(1) رواه الترمذي، وهو حسن.
(2) متفق عليه.