فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 773

إن الظلم والبطش والرهبوت والجبروت أخلاق غضبية تلازم السباع والمفترسات استطاع بعض الناس أن يجعلها كذلك من صفاته المرافقة له.

لقد صار واقع المسلمين اليوم يئن من ظلم الظالمين، ويشكو من فساد المفسدين الذي عكروا صفو الحياة وكدروها، وضيقوها وأرهقوها فأصبحت تشكو التخمة من جورهم، وكثرة شرهم وعدوانهم. لقد أضحى أولئك الظالمون يقتاتون من عرق الفقراء، ويعيشون على دماء الأبرياء، ويسخرون حياتهم لإيذاء الآخرين والإضرار بهم، وتخريب معايشهم وتضييق أرزاقهم، حتى غدوا لا يستلذون بالحياة إلا على رؤية الأشلاء وسيلان الدماء، وسماع توجع المتوجعين وآهات الضعفاء والمساكين، وتزايد مواكب المشردين والمسجونين.

يحبون أن يكون الناس لهم مطايا إلى الرغبات العدوانية والأماني الشيطانية، ولا يريدون العيش الكريم لغيرهم، ولو فرشوا طريقه بالجماجم، وعبروا إليه على جسور المآثم.

ومازال بعض الظالمين في طريقهم مستمرين، ولا يزيدهم مرور الأيام إلا عتوًا وازديادًا. لم يرعووا عن غيهم ونصيحة الناصحين واصلة إليهم لعلهم يرجعون ويتوبون. غير أن القوة غرتهم والكراسي صدتهم، والأموال حبستهم عن الرجوع إلى ربهم والأوبة إلى رشدهم، وإمهال الله لهم جعلهم يظنون أنهم على الحق، وتأخر العقوبة أغراهم في الاستمرار. طبعت قلوبهم على الغفلة فلم يعتبروا بأخذ الله الظالمين الأولين منهم والآخرين، الإنسان يستعجل والله من عدله وحلمه يمهل، حتى تحين ساعة العدل، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام 44 - 45] .

فبعد التمادي في الظلم وفوات فرصة الإمهال تأتي العقوبة على حين غرة:

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود 102] .

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) . قال ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود 102] [1] .

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت