إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفات ليسوا عبادًا لأحد، إنما هم عباد لله وحده، لا يعبدون سواه ولا يقدمون طاعة أحد على طاعته.
وبهذه النسبة: عباد الرحمن صاروا أعزة مرفوعي الرؤوس لا يحنونها لغير خالقها جل وعلا.
فمن صفاتهم الحسنة: التواضع، وخفض الجناح للمؤمنين، فليسوا متكبرين ولا متجبرين، ولا متعالين ولا مغرورين. أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين. لم يزدهم تواضعهم إلا رفعة وسموًا؛ ليكون ذلك ثوابًا عاجلًا من عند الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تواضع لله رفعه الله) [1] .
لقد عُرف التواضع خلقًا راسخًا من أخلاق رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قال له ربه تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر 88] . ومن تتبع سيرته عليه الصلاة والسلام وجد مصداق ذلك.
فعن أنس رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال لها: (يا أم فلان، اجلسي في أي نواحي السكك شئت حتى أجلس إليك) [2] .
وعنه رضي الله عنه قال: (كان رسول الله يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب) [3] .
وعنه رضي الله عنه قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك) [4] .
قيل لعائشة رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول الله في بيته؟ قالت: (كان بشرا من البشر: يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه) [5] .
ففي التواضع قال تعالى في هذه الآيات: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ... 63} .
(1) رواه أبو نعيم في الحلية، وهو حسن.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه الترمذي والبخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.
(4) رواه الترمذي، وهو صحيح.
(5) رواه الترمذي، وهو صحيح.