فهرس الكتاب

الصفحة 665 من 773

عباد الله، ومن صفات عباد الرحمن: أنهم أهل عفو وصفح، فإذا آذاهم السفهاء بالقول أجابوهم بالمعروف، وخاطبوهم خطابًا لطيفًا يسلمون فيه من الإثم ومن مقابلة الجاهل بجهله.

وهذا الخلق الكريم- خلق العفو- خلق عظيم يجمع الكلمة ويوحد الصف ويؤلف القلوب ويحبب أهله إلى الناس، وهو من صفات المتقين التي ينالون بها الجنة.

قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران 133 - 134] .

فأين العمل بهذا الخلق الكريم في الخلافات التي نعيشها اليوم؟

إنه بسبب بُعد النفوس عنه حصلت آثار مدمرة على العباد والبلاد، فأين هم عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما؟

إن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نماذج ناصعة من عفوه وصفحه وحلمه عمن جهل عليه. لم يكن ينتصر لنفسه، ويقتص لها، إنما كان ينتصر لله، فقد عفا عمن آذاه من المشركين ومن اليهود ومن المنافقين ومن الأعراب.

فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي [يعني في الظاهر] فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجلسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا) قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف عنه واصفح عنه فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت