أما الذين قد طبع على قلوبهم فلا تؤثر فيها الآيات، بل قد تزيدها قسوة إلى قسوتها؛ لأنها لم توافق محلًا قابلًا وأرضًا خصبة تستقبل غيث الهدى.
قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:124 - 125] .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد التأثر بآيات الله التي أنزلت عليه، فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي، قلت: يا رسول الله، آقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: نعم، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان [1] .
عباد الله، وبعد أن تحلّى عباد الرحمن بالفضائل وتخلوا عن الرذائل فأدوا حق أنفسهم وذاقوا حلاوة عبادة الرحمن أحبوا أن يكون لهم عون على الاستمرار على هذا الخير العظيم وأن ينالوا ما نالوا فدعوا الله بصلاح أزواجهم وذرياتهم الذين هم أقرب الناس إليهم، ولهم تأثير عليهم وتأثر بهم أيضًا، فإذا ما رأوهم صالحين قرت عيونهم بهم وحصل السرور لهم بهذا السند القريب.
ثم تاقت نفوسهم بعد أن اهتدوا أن يكونوا هداة لغيرهم؛ ليسعدوا غيرهم كما سعدوا، وليكون لهم من الأجر مثل أجور من تبعهم إلى يوم القيامة.
فقال تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا 74} .
هذا هي أعمالهم الصالحة فما الجزاء الصالح الذي ينتظرهم عليها؟
قال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا 75} خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا {76} .
فنعم المكافأة التي أعدت والجائزة التي نيلت. نسأل الله أن يجعلنا من عباد الرحمن الذين اتصفوا بهذه الصفات.
هذا وصلوا وسلموا على خير البشر ...
(1) رواه البخاري.