الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أيها المسلمون، إن عباد الرحمن قوم يخافون على دينهم وسمعتهم العطرة؛ ولذلك يحترزون عن كل سبب يوصل الضرر على ما يخافون عليه.
قال تعالى هنا: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا 72} . ومن مجالس الزور: الجلوس أمام القنوات أو الشاشات بأنواعها التي تخدش الحياء وتدعو إلى الفحش.
فهم لا يجلسون في المجالس التي فيها تعدٍّ على الله أو على رسوله أو على دينه أو فيها ما يخدش الخلق الكريم، فإن مروا بها مروا ناصحين غير مقرين لباطل فيها.
قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68] .
إن من تتبع سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام يجد أن مجالسه كانت مجالس خير حتى قبل بعثته، إذ لم يكن يشهد مجالس اللهو والعبث الي كان يشهدها أهل الجاهلية.
هذا معنى لبعدهم عن شهادة الزور مأخوذ من الشهود وهو الحضور، وهناك معنى آخر وهو تفسير شهود الزور بالقول الكاذب المعروف بشهادة الزور.
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) . ثلاثا قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا- فقال:(ألا وقول الزور) . قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت. [1] .
عباد الله، ومن صفات عباد الرحمن: أنهم إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم فلا يقابلونها بالإعراض عن سماعها والعمل بها، بل يستمعونها ويعونها ويتأثرون بها، فهم أهل استجابة واتباع، حتى تؤثر الموعظة على قلوبهم، ويظهر أثرها في استقامة جوارحهم. وهذه الآيات التي تلوناها في هذه الخطبة في صفات عباد الرحمن ينبغي أن تعيها قلوبنا وتستجيب لها جوارحنا لنكون من عباد الرحمن حقًا. قال تعالى في عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا 73} .
(1) متفق عليه.