فدين الإسلام دين العزة؛ لأنه الحق من عند الله، والأصلح لخلق الله، والأكمل والأتم لجلب المصالح ودرء المفاسد عن معتنقيه الآخذين به. وهو يأمر أهله أن يكونوا أعزة غير أذلاء؛ لأنهم يحملون دين الهدى ومشعل النور الشامل الذي يصلح الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون 8] .
عباد الله، إن التمسك بالإسلام عقيدة وشريعة يبث في روح المسلم العزة والفخر، ويشعره بعلو مكانته بين الورى، فيدعوه ذلك إلى إظهار شعائر دينه والعمل بمطالبه في إصلاح الدين والدنيا، ونفع الآخرين وإيصال الخير إليهم.
وإن أوائل هذه الأمة عندما أخذوا الإسلام وجعلوه نبراس حياتهم ومنهاج عيشهم عزوا وارتفعوا، وغلبوا كل كافر وقف في طريق النور الذي ينشرونه في العالم، فسادوا وقادوا، وصلح لهم بذلك الدين والدنيا. وقذف الله في قلوب أعدائهم المهابة منهم.
لقد كان المسلمون في تلك العصور الزاهرة مالكي أمرهم وقرارهم بأيديهم، يحكمون أنفسهم ولا يحكمهم غيرهم، يحلون مشكلاتهم بأنفسهم ولا تخرج قضاياهم ليحكم فيها عدوهم.
لم يصل إليهم مندوب أممي، ولم يطلبوا المنح المالية والمساعدات الدولية والقروض الاستعمارية، ولا انتظروا قرارات الفرج من أعدائهم.
وإنما احترموا الدستور الذي أنزله الله إليهم وطبقوا مواده التي لا تتغير، فصاروا هم الرعاة لا الرعية والقادة لا المقودين.
قال عمر رضي الله عنه:"نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله". فتأملوا في هذه الكلمة العمرية النورانية، وقارنوا واقعنا وواقع تلك الفئة المؤمنة التي أعزها الله بامتثال الإسلام عقيدة وعملًا.
عباد الله، لقد بقي المسلمون على سنام العز المنيف فترة من الزمن ببقائهم على الأخذ بالإسلام، فلما دب الوهن والضعف في القلوب، وأقبلت النفوس على الدنيا رغبة فيها وميلًا إليها، نزلت بساحتهم الهزيمة وحلت بينهم النقمة وتكالب عليهم الأعداء من كل حدب وصوب، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.