وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المآل الذميم وأسبابه، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة على قصعتها، قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت) [1] .
ففي هذا الحديث الشريف ينبأ رسول الله عن واقع المنتصر وأسباب نصره، وعن واقع المنهزم وأسباب هزيمته.
حيث أخبر عن اجتماع الأمم على أمة الإسلام، فاليوم انظروا كيف تقاطر اليهود والنصارى والهندوس والبوذيون والملحدون على حرب المسلمين حروبًا متنوعة منها: العسكرية والفكرية والاقتصادية والإعلامية وغيرها.
فظن بعض الناس أن هذا الاجتماع على الإسلام وأهله بسبب قلة المسلمين، فرد رسول الله ذلك بأن عدد المسلمين في زمن هذا الاجتماع كثير، فكم عدد المسلمين اليوم أيها المسلمون، أليس الإسلام هو الديانة الثانية في العالم في عدد معتنقيه؟ بلى.
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام استدرك بأن هذا العدد الكثير غير نافع وشبهه بالغثاء الذي لا فائدة فيه. فقد شبههم بهذا لقلة شجاعتهم وضعف نفعهم كيفية بلا نوعية.
ثم بين عليه الصلاة والسلام أسباب الهزيمة فقال: (ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن) . إن وجود الخوف الكبير في قلب المحارب من عدوه يعد هزيمة عليه ونصرًا كبيرًا لعدوه بلا خسائر؛ لأنه يوقف ذلك المحارب عن اعتدائه، وإذا تحرك للاعتداء تحرك بوجل وضعف لا يستطيع معهما الصمود والمواجهة.
إن هيبة المسلمين في قلوب أعدائهم كانت موجودة لما كان الإسلام هو الذي يحكم المسلمين.
وكانت الهيبة موجودة حينما كان المسلمون يعتزون بدينهم. وكانت الهيبة موجودة عندما كان الهم الأعلى للمسلمين هو هم الآخرة.
فلما تغيرت المبادئ السابقة تغيرت الأحوال فصار للكافرين في قلوب المسلمين هيبة كبرى.
(1) رواه البيهقي وأحمد، وهو حسن.