إخواني الكرام، نقول لهؤلاء الذين يطلبون الناس: إن الإنسان لا شرف له بين الناس إلا بالحفاظ على مروءته وعزته، فإذا ذهبت الكرامة وحل الذل مكانها فباطن الأرض خير من ظهرها.
واقرأوا في الأدب العربي ماذا قال الشعراء والحكماء عن المروءة والعزة، وكيف طبقوا ذلك في حياتهم، وتحملوا لأجلها الجوع والظمأ، واستلذوا مرارة الموت، ولم يستحلوا العيش المشوب بالذل.
إن على أولئك الشحاذين الكاذبين أن يعلموا أنهم قد ارتكبوا إثمًا عظيمًا بهذا الفعل المشين الذي يعود على صحبه بالعواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة و ليس في وجهه مزعة لحم) [1] .
وقال: (من سأل وله ما يغنيه؛ جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو خموشًا أو كدوحًا في وجهه) [2] .
وقال: (من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، و من أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما بموت آجل أو غنى عاجل) [3] .
فعلى الإنسان المحتاج القادر على العمل أن يعمل ولو في مهنة دنية في نظر الخلق فليست عيبًا، إنما العيب تكفف الناس وسؤالهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي الجبل فيجئ بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بثمنها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) [4] .
قال عمر رضي الله عنه:"مكسبة في دناءة خير من سؤال الناس". وقال أيضًا:"إني أرى الرجل فيعجبني شكله، فإذا سألت عنه فقيل لي: لا عمل له، سقط من عيني".
وقال لقمان لابنه:"يا بني، استغن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد إلا أصابته ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، ووهاء مروءته وأعظم من ذلك استخفاف الناس به".
ولا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجالْ
كلاهما موت ولكن ذا ... أشد من ذاك لذل السؤال
نسأل الله أن يفرج عن الصادقين من السائلين، وأن يعافي الكاذبين منهم.
قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
(1) متفق عليه.
(2) رواه الخمسة، وهو صحيح.
(3) رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وهو حسن
(4) رواه البخاري.