فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 773

وثالثًا: أنهم يظهرون الشكوى والجزع من المصيبة لو كانت حقيقية، والله قد أمر المسلم بالصبر وعدم السخط، قال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان 17] .

ورابعًا: أن الكذابين منهم قد ارتكبوا إثم الكذب، وربما يضيفون إلى ذلك اليمين الغموس.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع مال أخيه بيمينه فلا بارك الله له فيه) [1] .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه:"اليمين الغموس: اقتطاع الرجل مال أخيه باليمين الكاذبة".

خامسًا: أن الذين يصيحون في المساجد منهم قد انتهكوا حرمة المساجد؛ لأن المساجد لم تبن إلا لإقامة ذكر الله تعالى وللصلاة، ولم تبن لتكون منبرًا للشحاذين على الدوام. ومن المعلوم أنه قد حُرم إنشاد الضوال فيها، وفعل هؤلاء أشد وأشنع.

سادسًا: أن الكذابين منهم أكلوا أموال الناس بالباطل. والله تعالى قد نهى عن ذلك فقال: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة 188] .

سابعًا: أن غير المستحقين منهم حرموا المستحقين فاشتبه الصادق بالكاذب، وأعطي الخادع وحرم المحتاج.

ثامنًا: أن هؤلاء المتكففين يسببون مشكلات اجتماعية كثيرة، منها: ظهور البطالة، وتعطيل القدرات والجهود، وأخذ أموال الناس من غير عناء.

وتاسعًا: أن الكارثة المستقبلية أن هؤلاء الشحاذين قد ربّوا لهم خلفاء من الأجيال القادمة من الأطفال الذي يحملون المهنة بعدهم، وقد يكونون أطفالهم أو أطفالًا استأجروهم على المناصفة أو الثلث.

يقول شيخ الإسلام في تحدثه عن الطالبين من الخلق:"هو ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق الخلق، وظلم في حق النفس، أما في حق الربوبية: فلما فيه من الذل لغير الله، وإراقة ماء الوجه لغير خالقه، والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين، والتعرض لمقته إذا سأل وعنده ما يكفيه يومه"

وأما في حق الناس: فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال واستخراجه منهم وأبغض ما إليهم: من يسألهم ما في أيديهم وأحب ما إليهم: من لا يسألهم؛ فإن أموالهم محبوباتهم، ومن سألك محبوبك فقد تعرض لمقتك وبغضك، وأما ظلم السائل نفسه: فحيث امتهنها وأقامها في مقام ذل السؤال ورضي لها بذل الطلب ممن هو مثله، أو لعل السائل خير منه وأعلى قدرًا وترك سؤال من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فقد أقام السائل نفسه مقام الذل وأهانها بذلك ورضي أن يكون شحاذًا من شحاذ مثله؛ فإن من تشحذه فهو أيضا شحاذ مثلك والله وحده هو الغني الحميد، فسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير، والرب تعالى كلما سألته كرمت عليه ورضي عنك وأحبك والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضك ومقتك وقلاك كما قيل:

الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب"."

(1) رواه أحمد وأبو يعلى، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت