أيها المسلمون، إن بعض الناس قد تلم به أزمة أوضائقة مالية أو جائحة تجتاح ماله ولا يجد من يسلفه ويمهله أو يعينه فيعفيه فهذ ا قد أباح له الشارع الرحيم أن يسأل الناس بقدر حاجته فقط، فإذا انقضت حاجته حرم عليه السؤال بعد ذلك.
فعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) . قال: ثم قال: (يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال: سدادًا من عيش -، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال: سدادا من عيش -، فما سواهن من المسألة يا قبيصة، سحتًا يأكلها صاحبها سحتا) [1] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد، إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدًا بتخطيه رقاب الناس ولا غير تخطيه ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهرًا يضر الناس مثل أن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به ونحو ذلك جاز، والله أعلم".
وقال الغزالي رحمه الله:"السؤال حرام في الأصل، وإنما يباح بضرورة أو حاجة مهمة قريبة من الضرورة، فإن كان عنها فهو حرام، وإنما قلنا: إن الأصل فيه التحريم؛ لأنه لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة".
عباد الله، إن المشاهد في الواقع يجد أن المسألة لم تعد بقدر الحاجة والكف عند حصولها كما في الحديث السابق، بل قد صارت مهنة عند كثير من الشحاذين والمتكففين، حتى تعودوها وعشقوها وصعب عليهم فراقها ولو اغتنوا. وقد أضحى لديهم طرق متنوعة وجذابة لأخذ أموال الناس بالباطل.
إن أكثر هؤلاء الشحاذين قد جنوا على أنفسهم وعلى الناس وعلى المجتمع جنايات كثيرة، فهم أولًا: يشكون الخالق إلى خلقه، ويسترحمون الناس من قضاء الله وقدره.
وإذا ابتُلِيتَ بضيقة فالبس لها ... ثوبَ العفاف فإن ذلك أسلمُ
لا تشكوَن إلى العباد فإنما ... تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يَرْحَم
وثانيًا: أنهم يتضرعون بين أيدي الناس ويسكبون الدموع ويكثرون من العويل والاستغاثة والنجدة، وهذا لا يليق إلا أن يكون بين يدي الله تعالى، فهذه الأحوال لو كانت بين يدي الله تعالى وصاحبها صادق فإن الله لن يخيب أمله. قال تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل 62] .
قال الشاعر عبيد بن الأبرص الجاهلي:
من يسألِ الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
فمن توكل على الله كفاه، ومن سأله وحده أجاب سؤله ودعاه، فلماذا يبكون إلى الخلق ولا يبكون إلى الخالق الذي بيده مفاتيح السماوات والأرض؟!
(1) رواه مسلم.