فهرس الكتاب
تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة 4] .
هكذا يترك الأهل والأقارب والأوطان إذا كانت تحول بين العبد وربه، إنها براءة من محبوبات النفس ابتغاء وجه الله تعالى.
وهذا نبيا عليه الصلاة والسلام يقول: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين) [1] .
وقد سارع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تطبيق هذه العقيدة الصحيحة حتى مع أقرب الناس إليهم. ففي غزوة بدر التي التقى فيها الأقارب بالأقارب والأصحاب بالأصحاب والجيران بالجيران والسادة بالعبيد تمثلت هذه العقيدة في قتل المسلم أباه أو أخاه أو خاله أو صديقه أو جاره من أجل الله تعالى حينما حالوا بين النور الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وبين وصوله للناس في الظلماء وآذوا من اقتبسه حتى وصل الحد ببعضهم إلى قتل من استضاء به.
فأبو عبيدة قتل أباه، وبعد انتهاء المعركة مر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير الذي خاض المعركة ضد المسلمين، مر به وأحد الأنصار يشدّ يده، فقال مصعب للأنصاري: شد يديك به؛ فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟! فقال مصعب: إنه - أي: الأنصاري - أخي دونك.
أيها المسلمون، إن مبدأ الولاء والبراء بدأ يتلاشى من بين المسلمين شيئًا فشيئًا، فحينما حصل الانهزام داخل النفوس أصبح المسلم ينظر إلى الكفار بعين الإكبار في كل شيء ناسيًا أو متناسيًا ما يحملونه من الكفر بالله وكراهيتهم للمسلمين ولدينهم. وغاب هذا المبدأ لما كثر الجهل بدين الله وغدا كثير من المسلمين لا يعلمون من دينهم إلا القليل. وغاب مبدأ الولاء والبراء حينما أضحى المسلمون في ذيل قافلة الحضارة المعاصرة فغدوا يستجدون كثيرًا من أمور حياتهم من أعدائهم. وغاب هذا المبدأ عندما أمسى العالم الإسلامي محكومًا من قبل الغرب وما عليه إلا السمع والطاعة وإلا فالعقوبات تنتظره.
عباد الله، إنه لما حصل هذا الغياب لهذا المفهوم العظيم ظهرت علامات الولاء لأعداء الإسلام بين المسلمين، ومن مظاهر ذلك:
التشبه بالكفار في المأكل والمشرب والملبس والعيش والنظرة إلى الحياة، وهذا أمر حتمي؛ فإن من طبيعة المنهزم أن يقلد من هزمه لقيام تعظيمه في النفس.
(1) رواه البخاري.