فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 773

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:

أيها المسلمون، يقول تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} بلقمان 24].

ويقول: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام 44 - 45] .

نعم، لقد تمتع قارون بالمال ما تمتع، و أخذ من الزهو و الغرور ما أخذ، لكنه لم يخلد فساعة الرحيل بقيت تنتظره حتى أدركها، ولم تكن ساعة سرور، بل كانت ساعة أليمة فاضحة، إذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر فبعد النعمة نزلت النقمة، وبعد المهلة فاجأته الأخذة السريعة، وبعد زهوة العلو صدمته عقوبة الخسف، والجزاء من جنس العمل، لقد عاش متكبرًا على قومه فصارت نهايته تحت أقدامهم وساخ في الأرض التي يسيرون عليها، جزاء وفاقا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال) [1] .

قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ 81} .

أيها المسلمون، بعد السكرة صحت الفكرة، وانتبه غافل لم يستفد من يقظته بعد فوات فرصته وهو قارون عندما لقي ربه على حالته، وانتبه غافلون استفادوا من هذا الانتباه وهم قوم قارون، قال تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ 82} .

هذا هو المشهد الأخير، الذي أسدل الستار على بغي باغ وطغيان طاغٍ، ونهاية بائسة، بعد التعالي والتباهي؛ ليعلِّم العالَم أجمع أن طغيان المال إلى زوال، والمتكبرين إلى سفال.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق 37] .

(1) رواه أحمد والترمذي والنسائي، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت