فهرس الكتاب

الصفحة 710 من 773

فإذا عمل المؤمن العبادة وصبر عليه هذا الصبر وجد لها طعمًا رائقًا، وعاش في ظلها سعيدًا مطمئنًا، ناعم البال مستريح الحال، وهذا من علامات الإيمان وأمارات القبول. قال عليه الصلاة والسلام: (من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن) [1] .

قال ابن القيم وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول:"إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه؛ فإن الرب تعالى شكور، يعني: أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول".

أيها الإخوة الكرام، أما الصبر على ترك معصية الله فما أعظمه من صبر، وما أشده من حبس للنفس وما أقل حظها منه!

إن الإنسان يعيش في عراك مستمر مع نزغات الشيطان ونزوات النفس الأمارة بالسوء أمام إغراءات الفتن والشهوات ودعواتها الملحة.

وهذا النوع من الصبر قد يفوق الصبر على الطاعة؛ لأن فعل بعض الطاعات قد تصاحبه رغبة طبيعية كأن يكون الإنسان محبًا للخير والعطف والإحسان إلى الآخرين.

أما تصبير النفس على ترك المعصية وهي تواقة إليها فهو صبر شديد، لكن المؤمن يعان على هذه الشدة إذا كان ترك المعصية من أجل الله تعالى.

ومن أمارات صعوبة ترك المعصية: أن المعاصي تتوزع على جوارح الإنسان، إذ لكل جارحة منها مطالب من الذنوب.

فما أحسن قلبًا صبره صاحبه على ترك كل اعتقاد باطل وشبهة منحرفة، وصبره على هجر الحقد والشحناء وملأه بالمحبة والإخاء.

وما أجمل عقلًا منع عنه صاحبه ورود الأفكار المضلة والآراء السامة، وأناره بمصابيح الهدى والعلم النافع، وما أكثر الأفكار المذمومة هذه الأيام وما أسرع وصولها إلى الأذهان وتأثيرها فيها.

فمنجاة العقل بعد الحماية والتنقية أن يُحلَّى بالتدبر والتفكر، ويصبر على قبول الحق من أي لسان جاء ومن أي مصدر ورد مادام من الحق، وأن لا يعار لمن يحشوه بالتيه والضلال.

(1) رواه الطبراني، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت