وما أطيب لسانًا حينما يحبسه صاحبه على قول الخير وترك التفوه بالشر، وما أحسن سمعًا أصمه صاحبه عن سماع الباطل وفتحه لقبول الحق، وما أجمل بصرًا حجبه المسلم عن رؤية الحرام وصبره على الغض وترك حب التطلع إلى ما لا يحل النظر إليه.
وأكرم بيد مسلم كفها عن البطش في الظلم والانطلاق في تناول المحظورات، وأنعم برجْل وقفت عند حدود المباح ولم تتحرك خطاها إلى تراب الحرام.
فكيف سيعيش مسلم منع تسريح هذه الجوارح في مراعي الهوى وطاعة الشيطان؟
إنه سيحيا حياة طيبة لما انتصر على نفسه فخطمها وأمسك عنانها عن الجموح في محارم الله. وسيذوق على صبره هذا لذات مستمرة أعظم مما لو نال تلك المحرمات.
قال بعض السلف:"من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته". وقال بعضهم:"من غض بصره لله أورثه حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه".
وقال ابن القيم رحمه الله:"اللذة والتنعم بالعبادة إنما تحصل بالمصابرة والتعب أولا، فإذا صبر عليها وصدق في صبره أفضى به الى هذه اللذة، قال أبو زيد: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك".
هذه هي الحياة السعيدة في ظلال الصبر على طاعة الله والصبر على هجران معاصيه.
قال ابن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلو ... ب وقد يورث الذلَّ إدمانها
وترك الذنوب حياة القلو ... ب وخير لنفسك عصيانها
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه،
أما بعد:
أيها المسلمون، النوع الثالث من أنواع الصبر: الصبر على الأقدار المؤلمة النازلة على الإنسان.