عباد الله، من تلك الأسباب التي رحم الله بها عباده لكي يرجعوا إليه: التخويف منه ومن عقابه وآثار غضبه. قال تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} {لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر 15 - 16] . وقال: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء 59] .
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه و سلم فزعًا يخشى أن تكون الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله وقال: (هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره) [1] .
أيها المسلمون، إن الخوف من الله تعالى عمل قلبي يحمل العبد على امتثال أوامر الله وترك نواهيه. وهو عبادة من أجلّ العبادات، وقربة من أعظم القربات؛ لأنه يثمر الطاعات ويحجز عن السيئات.
وهو أمارة من أمارات وجود الإيمان في قلب صاحبه، فإذا وجد الإيمان أنتج الخوف من الله عز وجل. قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران 175] . وهو خلق يبعث على تعظيم الله وإجلاله، والتسليم لشرعه والرضا بأفعاله في خلقه. وهو عمل يعين على الاستفادة من الذكرى والموعظة. قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} [الأعلى 9 - 10] .
وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر 23] .
أيها المسلمون، إن العبد محتاج إلى ملازمة خوف الله تعالى احتياجًا شديدًا؛ لأنه مطية نجاته، وسبيل راحته، وصلاح دنياه وآخرته.
وتعظم أهمية ملازمة الخوف في مثل هذا الزمان الذي قل فيه الصالحون والمصلحون، وكثر فيه الفاسدون والمفسدون، حينما غلبت على الجوارح فتن الشهوات وتغلغلت في العقول فتن الشبهات، فظهرت المعاصي وجاهر العصاة وقلّت الطاعات وأهلها، وكثرت المنكرات وازداد دعاتها والمقبلون عليها، وحورب
(1) متفق عليه.